ينهي جيروم باول، أحد أكثر رؤساء مجلس الاحتياطي الفيدرالي تعرضًا للأزمات، ولايته على رأس البنك المركزي الأميركي، بعد فترة شهدت أحداثًا استثنائية تمثلت في أشد انكماش اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة، وأعلى معدلات تضخم منذ أكثر من 40 عامًا، وهجمات سياسية عنيفة من البيت الأبيض، فضلًا عن أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.
هذه التطورات غير المسبوقة ميزت الأعوام الثمانية التي قضاها باول في قيادة المؤسسة المعنية بإدارة السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم، لتحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار. وتنتهي ولايته يوم الجمعة المقبل، مع تأكيد تعيين كيفن وورش خلفًا له بعد موافقة مجلس الشيوخ.
ويُعرف باول، وفق ما أفاد به زملاء سابقون، بأنه قائد يتمتع بالثبات والقدرة على العمل الجماعي واتخاذ قرارات حاسمة.
ويرى هؤلاء أن قيادته كانت عاملًا رئيسيًا في نجاح الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع الأزمات الاقتصادية العديدة في السنوات الأخيرة، ما يجعله ربما أكثر رؤساء البنك المركزي الأميركي خضوعًا للاختبارات في تاريخه الممتد 113 عامًا، بحسب تقرير لشبكة سي إن إن الأميركية.
وقال باتريك هاركر، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، إن من الصعب إيجاد رئيس آخر للفيدرالي واجه هذا الكم من الصدمات الاقتصادية المتزامنة، مضيفًا أن المقارنة قد تعود فقط إلى مارينر إكليس الذي قاد البنك خلال الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية.
الفيدرالي يدخل مرحلة من الغموض الاقتصادي التام
تُعد جائحة كوفيد-19 التحدي الأكبر الذي واجهه باول خلال قيادته لأقوى بنك مركزي في العالم، بحسب اقتصاديين ومسؤولين سابقين في الفيدرالي.
وقالت لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إن الجائحة كانت حدثًا غير مسبوق للبنك المركزي، نظرًا لكونها أزمة صحية ذات تداعيات واسعة على الاقتصاد والسياسات المالية والنقدية.
فمع الإغلاق المفاجئ للأعمال في ربيع 2020، شهد الاقتصاد الأميركي تراجعًا قياسيًا في الناتج المحلي الإجمالي وفي الإنفاق الاستهلاكي، بينما قفز معدل البطالة إلى 14.8 بالمئة في أبريل من العام نفسه، وهو أعلى مستوى منذ الكساد الكبير.
كما انهارت الأسواق المالية بوتيرة غير مسبوقة مع توجه المستثمرين نحو السيولة، ما أدى إلى أزمة ائتمانية حادة. وعلى إثر ذلك، عقد باول اجتماعين طارئين نادرين في مارس 2020، تم خلالهما خفض أسعار الفائدة إلى قرب الصفر وضخ سيولة كبيرة لدعم النظام المالي.
ووصف باول تلك الإجراءات بأنها "غير مسبوقة"، وتهدف إلى دعم الاقتصاد بقوة وبشكل حازم واستباقي، مع التركيز على بناء "جسر" نحو التعافي الاقتصادي. وقد ساهمت هذه الخطوات، إلى جانب التحفيز المالي من الكونغرس، في الحد من الصدمة الأولية للجائحة.
ماذا يقول المنتقدون؟
رغم التعافي السريع من ركود الجائحة، لم يخلُ المسار من التحديات. ففي عام 2021، ومع سعي الشركات لإعادة التوظيف، ارتفعت الأجور لجذب العمال، في وقت تراجع فيه المعروض من القوى العاملة وازدادت مدخرات الأميركيين بفعل برامج التحفيز، بينما استمرت اضطرابات سلاسل التوريد.
وتسببت هذه العوامل في موجة تضخم هي الأقوى منذ أربعة عقود. وفي ذلك الوقت، توقع باول ومسؤولون آخرون أن يكون التضخم "مؤقتًا"، وهو توصيف تعرض لاحقًا لانتقادات واسعة.
فقد استمر التضخم لفترة أطول نتيجة ما يُعرف بتأثيرات الجولة الثانية، حيث طالب العمال بزيادات في الأجور لتعويض ارتفاع الأسعار.
ومع إدراك الفيدرالي لخطورة الوضع، بدأ رفع أسعار الفائدة في مارس 2022 ضمن واحدة من أشد دورات التشديد النقدي منذ الثمانينيات. ورغم أن هذه السياسة تهدف إلى كبح التضخم، فإن تأثيرها المتأخر جعل من الصعب منع وصول التضخم إلى أعلى مستوياته في يونيو 2022.
وحذر باول حينها من أن رفع الفائدة سيؤدي إلى "ألم" اقتصادي للأسر، إلا أن الاقتصاد الأميركي أظهر مرونة ملحوظة وتمكن من تجنب الركود.
ويرى منتقدو باول أن التقليل من شأن التضخم كان خطأ كبيرًا، بينما أقرت لوريتا ميستر بأن الفيدرالي تحرك ببطء، معتبرة أن الوضع كان غير مسبوق ولم يكن من الممكن التنبؤ بمآلاته بدقة.
كذلك أشار هاركر إلى أن الخطأ لم يكن حكرًا على الفيدرالي، بل شمل مجتمع الاقتصاديين بأكمله.
إرث الاستقلالية
يشكل الدفاع عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أحد أبرز ملامح إرث باول. فمنذ بداية ولايته، تعرض لضغوط سياسية مكثفة، خاصة من الرئيس دونالد ترامب، الذي انتقده مرارًا لعدم خفض أسعار الفائدة.
وتصاعدت هذه الضغوط خلال العام الماضي، حيث سعى ترامب إلى فرض تخفيضات في الفائدة لدعم النمو وتقليل تكاليف الاقتراض الحكومي. إلا أن الفيدرالي حافظ على نهجه القائم على اتخاذ القرارات بناءً على البيانات الاقتصادية، وليس على المطالب السياسية.
وأكد باول مرارًا أن الاستقلالية شرط أساسي للحفاظ على استقرار الأسعار، مشددًا على أن السياسة النقدية يجب أن تبقى بعيدة عن التأثيرات السياسية.
ورغم استمرار الضغوط، بما في ذلك تهديدات بإقالته وانتقادات لإدارته، تمسك باول بموقفه، واعتبر هذه الحملات جزءًا من محاولات التأثير السياسي على عمل البنك المركزي.
نصيحة للخلف
في ختام ولايته، أكد باول أنه لن يتدخل في قيادة خلفه، مشددًا على أهمية احترام دور رئيس الاحتياطي الفيدرالي. كما وجه نصيحة مباشرة لخلفه قائلاً: "ابتعد عن السياسة الانتخابية… إذا كنتم تريدون الشرعية فعليكم كسبها من خلال تفاعلكم مع المراقبين المنتخبين لدينا، ولذا فهذا أمر يتطلب منكم بذل جهد كبير — وأنا قد بذلت جهدًا كبيرًا في هذا الصدد."
وبذلك يختتم باول مرحلة حافلة بالتحديات، تاركًا وراءه مؤسسة أكثر خبرة في إدارة الأزمات، وإرثًا يرتكز على الاستقلالية والقرارات المبنية على التحليل الاقتصادي.