في حديث خاص إلى سكاي نيوز عربية على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، رسم وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط صورة مركّبة لمسار الاقتصاد اللبناني، تجمع بين الاعتراف بعمق الأزمة من جهة، والتأكيد على انطلاق مسار الإصلاح من جهة أخرى.

فقد شدّد على أن البلاد ما زالت تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، إلا أن العمل الإصلاحي بدأ فعلياً، وتركّز خصوصاً على القطاع المصرفي، إعادة بناء المؤسسات، واستقطاب الاستثمارات ضمن رؤية طويلة الأمد تقوم على الواقعية لا الوعود السريعة.

الاعتراف بعمق الأزمة… والانطلاق في “الماراثون

استهل بساط حديثه بالتأكيد أن أي حديث عن ازدهار سريع للبنان هو توصيف غير دقيق، موضحاً أن الوضع لا يزال “صعباً جداً” على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وعدّد أبرز الاختلالات القائمة، من القطاع المصرفي إلى الكهرباء والبنية التحتية، معتبراً أن هذه الملفات تمثل جوهر الأزمة الحالية.

في المقابل، شدّد على أن ما يميّز المرحلة الراهنة هو أن “الطريق بدأت”، وأن الحكومة شرعت في الإصلاحات الأساسية، واصفاً المسار بأنه “ماراثون طويل المدى” دخل لبنان فيه مرحلته الأولى. وأشار إلى أن التركيز انصبّ على الملف الأكثر حساسية، أي القطاع المصرفي، عبر رفع مستوى الحوكمة وطرح قانون إعادة هيكلة المصارف، إضافة إلى مسودة قانون معالجة الفجوة المالية التي ما زالت قيد الدرس والنقاش مع البرلمان.

وزير الاقتصاد اللبناني يؤكد: أموال المودعين في البنوك آمنة

الودائع والمحاسبة: ركيزتان في الإصلاح المصرفي

وفي معرض حديثه عن القوانين المطروحة، أوضح الوزير أن الهدف الأساسي يتمثل في إعادة هيكلة المصارف، واسترجاع الودائع للمودعين، إلى جانب إرساء مبدأ المحاسبة وعدم الاكتفاء بسياسة “عفا الله عما مضى”. واعتبر أن هذا المسار بحد ذاته يشكّل إنجازاً مفصلياً في محاولة إعادة الثقة بالنظام المالي.

إلى جانب ذلك، وضع بساط تعزيز المؤسسات العامة في صلب خطة التعافي، مشيراً إلى أن الدولة عانت سنوات طويلة من التآكل الإداري، وأن العمل جارٍ على إعادة بناء الهياكل، وتعيين كوادر إدارية عليا، وصوغ رؤى اقتصادية واضحة لكل وزارة، مع إعطاء أولوية لقطاعات الكهرباء والاتصالات.

أخبار ذات صلة

لبنان يفتح أبوابه للعالم بخطة استثمارية طموحة
توتال إنرجيز تحصل على ترخيص جديد بالتنقيب في لبنان

إشارات إيجابية من المستثمرين… مع واقعية التوقعات

انتقل الوزير إلى قراءة التفاعل الدولي مع لبنان، لافتاً إلى أن المعطيات المتوافرة “إيجابية جداً”، وأن هناك اهتماماً واضحاً بنجاح البلاد لما يحمله ذلك من أهمية إقليمية. وكشف أن الحكومة التقت بنحو 150 مستثمراً أجنبياً، بينهم مغتربون، يمثلون 55 شركة عالمية، اطّلعوا على مشاريع بقيمة 7.5 مليارات دولار في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى 2.5 مليار دولار لمشاريع خاصة.

غير أن بساط حرص على ضبط سقف التوقعات، مؤكداً أن هذه الاجتماعات لا تعني تدفّقاً فورياً للمليارات، وأن لبنان لا يزال في وضع صعب. وكرر مقولة “ساعدونا لنساعدكم”، في إشارة إلى ضرورة إنجاز الإصلاحات الداخلية بوصفها شرطاً أساسياً لأي دعم خارجي مستدام.

لا حلول سحرية… بل مسار طويل ومعقّد

شدّد وزير الاقتصاد على أن تعقيدات الملف اللبناني، من المصارف والكهرباء إلى الحوكمة والعلاقة بين المجتمع والدولة، تجعل أي وعود بـ”انتصارات سريعة” غير واقعية. ونقل موقف وزير المالية ياسين جابر بأن الحكومة لا تسعى إلى “قصّ الشريط الأحمر”، بل إلى وضع البلاد على السكة الصحيحة عبر مسار إصلاحي حقيقي.

ورغم اعترافه بأن الوضع لا يزال متعثراً، أشار إلى أن السنة الماضية حملت إشارات مشجعة، مع تسجيل نوع من النمو انطلاقاً من قاعدة منخفضة جداً، وبدء عودة المستثمرين إلى بيروت، معتبراً أن هذه التطورات تشكّل دليلاً على تجدد الاهتمام الدولي إذا ما استمر المسار الحالي.

أخبار ذات صلة

لبنان في لحظة حاسمة.. بين ضغوط السلام وحسابات حزب الله
أزمة الدين.. ضغط متزايد على الاقتصاد العالمي

الشراكة مع القطاع الخاص وإعادة بناء البنية الأساسية

في حديثه عن إعادة الإعمار، أوضح بساط أن الدولة اتخذت قراراً استراتيجياً بالاعتماد على الشراكات مع القطاع الخاص في القطاعات الكبرى، نظراً إلى محدودية الإمكانات المالية. وذكر الكهرباء والمياه والاتصالات والمطار كمجالات تحظى باهتمام خارجي للعمل المشترك مع القطاع العام.

وفي موازاة ذلك، شدّد على أهمية تنشيط القطاعات الخاصة المنتجة، مثل السياحة والصناعة والقطاعات الإبداعية، مبرزاً امتلاك لبنان مزايا تنافسية في بعض المجالات، ولا سيما بفضل رأس المال البشري، ما يفتح الباب أمام فرص استثمارية واسعة.

قراءة في التحولات العالمية والفرص الإقليمية

تطرّق الوزير إلى التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، مشيراً إلى أن العلاقات التقليدية بين الولايات المتحدة وأوروبا باتت موضع تساؤل، بالتوازي مع تصاعد أدوار آسيا والتحديات الاستراتيجية المصاحبة لذلك. ورأى أن المشهد الاستثماري العالمي يمكن النظر إليه من زاويتين: تراجع الاستثمارات بسبب المخاوف والتوترات التجارية، مقابل استمرار النمو العالمي وتغيّر خريطة التجارة.

واعتبر أن هذا التحوّل يشكّل خبراً جيداً للدول الناشئة، لافتاً إلى استفادة الهند والمكسيك ودول الخليج من إعادة تموضع الاستثمارات، ومضيفاً أن الدول العربية تقع في موقع يسمح لها بالاستفادة من هذه المتغيرات. وأعرب عن تفاؤله بإمكان أن يكون لبنان جزءاً من هذا المسار إذا أحسن استغلال الفرص.

سلاسل الإمداد… نافذة جديدة للاستفادة

في ختام حديثه، أشار بساط إلى الاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، معتبراً أنها، رغم ما تخلقه من تحديات، تفتح المجال أمام دول قادرة على تقديم خدمات بديلة والدخول في حلقات الإنتاج والتوزيع. وأعرب عن أمله في أن يتمكن لبنان من الاستفادة من هذه التحولات، كما تفعل دول أخرى في المنطقة.

وزني: قانون الفجوة المالية أحدث الكثير من الجدل في لبنان