عكس منتدى دافوس 2026 حالة سيولة سياسية واقتصادية، كشفت بوضوح أن العالم يقف عند مفترق طرق تاريخي، إذ لم يعد الحديث يدور حول إصلاح النظام الدولي القائم بقدر ما بات يتمحور حول إدارة مرحلة تفككه.

المنتدى، الذي اعتاد لعقود أن يكون مساحة لتنسيق الرؤى حول العولمة والنمو المشترك، تحوّل هذا العام إلى مرآة صريحة لواقع دولي متشظٍ، تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية، وتتصدر فيه لغة القوة والصفقات الثنائية على حساب القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف.

أخبار ذات صلة

مسؤولون أوروبيون: ملف غرينلاند لم يحسم بعد
المبارك: الإمارات الأولى عالميا في تبني الذكاء الاصطناعي

تناول دافوس ملفات النظام العالمي والتحولات الجارية في موازين القوى، وسط صدام واضح بين رؤى متعارضة لمستقبل العلاقات الدولية. فقد طغت النقاشات المرتبطة بالسياسات الأميركية، والحروب التجارية، وأدوات الضغط الاقتصادي، إلى جانب أدوار الحلفاء والخصوم، ومسألة استقلالية أوروبا، وصعود قوى دولية تسعى إلى إعادة التموضع في مشهد لم تعد فيه الضمانات التقليدية قائمة، ما عزز الشعور بأن العالم يعيش حالة تمزق أكثر منها مرحلة انتقالية هادئة.

ووسّع المنتدى دائرة النقاش لتشمل التحولات التكنولوجية العميقة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، الذي حضر كعامل حاسم في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وسوق العمل. وبين التفاؤل بإمكاناته في تعزيز الإنتاجية والنمو، والتحذير من مخاطره الاجتماعية واتساع فجوة عدم المساواة، برزت مطالب واضحة بحوكمة مسؤولة تضع الإنسان في قلب هذا التحول، بالتوازي مع التركيز على الأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات، وحماية الوظائف في مواجهة تغيّرات متسارعة.

أخبار ذات صلة

الإمارات تؤكد ريادتها في مستقبل التجارة العالمية في دافوس
الإمارات و"WEF" يطلقان مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

واستكمل دافوس طرح ملفات المناخ والطبيعة وأمن المياه والطاقة، في مقاربة أكثر براغماتية واستثمارية، تعكس إدراكًا متزايدًا لكلفة المخاطر البيئية على الاقتصاد العالمي. كما حضرت مخاوف المستثمرين من تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد اللجوء إلى الملاذات الآمنة، في وقت بات فيه الاقتصاد والأمن وجهين لعملة واحدة، وأصبح مستقبل الازدهار مرهونًا بقدرة الدول على التكيّف مع واقع عالمي جديد تتقدم فيه إدارة المخاطر على منطق الانفتاح المطلق.

فيما استحوذ الاهتمام الأكبر خلال المنتدى الاقتصادي العالمي على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقرارات التي أعلن عنها، بما في ذلك إلغاء الرسوم الجمركية التي هدد بها ضد دول أوروبية رافضة لسيطرته على غرينلاند، فضلاً عن التوصل لاتفاق إطاري مع الناتو يشمل حقوقاً معدنية ونظام الدفاع القبة الذهبية، وصولاً إلى الإعلان عن مجلسه للسلام. فضلاً عن تصريحه بأنه لا يعتزم استخدام القوة في غرينلاند.

صراع بين عالمين

شهد المنتدى هذا العام -وفق صحيفة "نيويورك تايمز"- صداماً بين عالم ترامب والعالم القديم، فعلى مدى عقود، اجتمع القادة في دافوس لمناقشة مستقبل اقتصادي وسياسي مشترك، لكن يوم الأربعاء، حوّل الرئيس ترامب المنتدى إلى مواجهة حادة بين رؤيته للعالم ورؤيتهم.

ويشير تقرير لـ "الغارديان" إلى أن:

  • هذا المنتدى الاقتصادي العالمي، كان يجسد النظام الليبرالي العالمي لما بعد الحرب العالمية، والذي كرّس ترامب ولايته الثانية لتحطيمه.
  • انهار هذا النظام بشكل كامل وسريع لدرجة أن إعلان ترامب الظاهري بأنه لن يرسل قوات أميركية للاستيلاء على أراضي الدنمارك، الحليف القديم، اعتُبر بمثابة انتصار.
  • زعم ترامب أن الولايات المتحدة ستكون "لا يمكن إيقافها" بفضل "قوتها المفرطة"، لكنه أضاف: "لن أستخدم القوة".
  • في اليوم السابق، قال رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، لجمهور المنتدى نفسه إن العالم "في خضم تمزق، وليس مرحلة انتقالية".

تفكيك النظام العالمي

في هذا السياق، يوضح خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:

  • الرسالة الأبرز التي خرج بها المجتمعون في دافوس، رغم رفع شعار "روح الحوار"، تمثلت في اعتراف غير معلن بانهيار النظام العالمي التقليدي بصورته التي عرفناها لعقود.
  • أجواء المنتدى تجاوزت النقاشات الاقتصادية المعتادة، لتعكس واقعًا جديدًا من التفكك في العلاقات الدولية، حيث طغت لغة المصالح المباشرة والصفقات الثنائية على قواعد الدبلوماسية الكلاسيكية.

ويضيف: هذا التحول بدا جليًا في النبرة الأميركية مع عودة دونالد ترامب، الذي أعاد رسم قواعد اللعبة عبر طرح ملفات شائكة، من بينها الحديث عن شراء غرينلاند باعتبارها ضرورة أمنية في الإقليم القطبي، إلى التلويح بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين قبل الخصوم.

أخبار ذات صلة

المستشار الألماني: نحن في زمن سياسات القوى الكبرى
"دافوس" ينتخب خلدون المبارك رئيساً لمجلس الأعمال الدولي

هذا التوجه، بحسب سعيد، وضع أوروبا في موقف دفاعي، ودفع قادتها، مثل إيمانويل ماكرون وأورسولا فون دير لاين، إلى التشديد على ضرورة بناء استقلالية أوروبية تحمي مصالح القارة في عالم لم تعد فيه القواعد مضمونة، وأصبح كل طرف يلعب وفق حساباته الخاصة.

وفي المقابل، يضيف سعيد أن الصين حاولت الظهور كطرف ضامن للاستقرار، من خلال خطاب ركز على تعزيز الطلب الداخلي وتجنب الحروب التجارية التي لا رابح فيها، مع الانفتاح على قطاع الخدمات عالميًا. ويتقاطع هذا الطرح مع صعود قوى اقتصادية أخرى، وفي مقدمتها الهند، التي يُتوقع أن تكون محركًا رئيسيًا للنمو العالمي خلال السنوات المقبلة.

لكن هذا النمو، وفق سعيد، يواجه تحديات عميقة فرضتها الثورة التكنولوجية، حيث كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة في معظم جلسات المنتدى. ورغم التفاؤل بإمكاناته في إضافة تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي ورفع الإنتاجية، فإن المخاوف كانت حقيقية من تعميق الفجوة بين دول الشمال والجنوب، وخلق بطالة هيكلية إذا لم يتم الاستثمار بشكل جاد في إعادة تأهيل وتدريب القوى العاملة. وهو ما دفع قادة الأعمال للمطالبة بحوكمة واضحة ومسؤولة لهذه التكنولوجيا قبل فوات الأوان.

وعلى صعيد المناخ والطبيعة، يشير سعيد إلى أن المقاربة تغيرت لتصبح أكثر عملية واستثمارية، حيث جرى التعامل مع الطبيعة كأصل اقتصادي قادر على توليد عوائد كبيرة. كما تم تسليط الضوء على عام المياه 2026 باعتباره جرس إنذار حقيقي لأمن الغذاء والطاقة عالميًا. وبرزت كذلك دعوات غير تقليدية من بعض الأثرياء لفرض ضرائب أعلى على أنفسهم للمساهمة في تقليص فجوة عدم المساواة وتمويل التحول المناخي، في وقت باتت فيه المخاطر البيئية تكلف الاقتصاد العالمي أكثر من أي تعريفات جمركية.

منتدى دافوس.. قضايا دولية على طاولة النقاشات

ويختتم سعيد بالإشارة إلى أن دافوس 2026 رسم ملامح عالم جديد يقوم على تقليل المخاطر بدلًا من الانفتاح المطلق، حيث بات الاقتصاد والأمن وجهين لعملة واحدة، وأصبح الازدهار المستقبلي مرهونًا بقدرة الدول على التكيف مع واقع جيوسياسي متشظٍ، والاستثمار المسؤول في التكنولوجيا، مع إدراك أن كلفة الصراع اليوم أعلى من أي وقت مضى.

يشير تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن حلقات النقاش حول تغير المناخ، ورعاية اللاجئين، ومستقبل الرعاية الصحية، كانت متاحةً في أماكن أقل أهمية. لكنّ الحدث طغى عليه عمالقة التكنولوجيا ونشوتهم بالفرص الربحية الهائلة التي يتيحها هذا الوقت.

وينبه إلى أن "الذكاء الاصطناعي" وشركات التكنولوجيا العملاقة وتصريحات الرئيس دونالد ترامب "تألقوا بشكل لافت في دافوس"، إذ يهيمن على المنتدى الاقتصادي العالمي شركات التكنولوجيا العالمية التي تتجاهل مصالحها معظم المصالح الأخرى، وفق التقرير.

سياق عالمي معقد

بدوره، يقول رئيس قسم الأسواق المالية في FXPro  ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • منتدى دافوس هذا العام جاء في سياق عالمي بالغ التعقيد، في ظل تداخل تحديات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
  • مشاركة نحو 65 رئيس دولة، إلى جانب كبار قادة الشركات وممثلي المجتمع المدني، تعكس أهمية المرحلة وحجم الرسائل المنتظرة من هذا الحدث العالمي.
  • الرسالة الأساسية التي برزت في المنتدى تتمحور حول أهمية الحوار الدولي.
  • الحوار بات ضرورة ملحّة في زمن تتسع فيه الانقسامات السياسية والاقتصادية.
  • معظم القادة شددوا على أن غياب الحوار من شأنه أن يفاقم حالة عدم الاستقرار العالمي.

وفي ما يتعلق بالتكنولوجيا، يؤكد صليبي أن الذكاء الاصطناعي كان من أبرز العناوين المطروحة على طاولة النقاش، حيث تم التأكيد على أن التقدم في هذا المجال يجب أن يبقى متمحوراً حول الإنسان. ويتابع موضحاً أن التركيز انصبّ بشكل خاص على الأمن السيبراني، وحماية الوظائف، وتطوير المهارات البشرية، رغم أن التأثير الكامل لهذه التحولات سيحتاج إلى سنوات ليظهر بوضوح في مختلف القطاعات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير إلى أن القادة دعوا إلى تعزيز التعاون متعدد الأطراف لدعم النمو الاقتصادي، لا سيما في قطاعات الطاقة والتجارة، في ظل تصاعد الحروب التجارية وحروب الطاقة. ويضيف أن استخدام الرسوم الجمركية كأداة تفاوضية، إلى جانب الانتقادات للمبادرات الخضراء، زاد من حدّة المشهد الجيوسياسي ولم يسهم في تهدئة الأسواق.

ويؤكد صليبي أن هذه التوترات انعكست بشكل مباشر على سلوك المستثمرين، الذين اتجهوا بشكل متزايد نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب. ويتابع قائلاً إن أي تراجع مؤقت في التصعيد قد يخفف التوتر على المدى القصير، وربما ينعكس على أسعار الذهب، إلا أن الصورة العامة لا تزال ضبابية وغير واضحة المعالم.

ويلفت إلى الرسالة الصريحة التي صدرت عن كندا، حيث يشير إلى حديث رئيس الوزراء الكندي عن تراجع النظام الدولي القديم، والحاجة إلى دور أكثر فاعلية للدول متوسطة الحجم في المرحلة المقبلة. ويضيف أن هذا الطرح يعكس تحولاً مهماً في موازين القوى الجيوسياسية.

أخبار ذات صلة

الإمارات تطلق أول بحث حول مستقبل الذكاء التشريعي في دافوس
سجواني: داماك تطوّر مراكز بيانات حول العالم بقدرة 4000 ميغا

أما من زاوية المستثمرين، فيوضح أن تصريحات قادة القطاع المالي تبقى ذات وزن كبير، مشيراً إلى تحذير جيمي دايمون من أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية في حال غياب خطط واضحة لحماية العمال وإعادة تأهيلهم، مؤكداً أن هذه النظرة الواقعية تميل إلى التشاؤم الحذر.

ويتابع صليبي بالإشارة إلى التحولات الاقتصادية في آسيا، موضحاً أن الهند مرشحة لتصبح من أكبر الاقتصادات العالمية خلال العقود المقبلة، ما سيعيد رسم توازن القوى في الاقتصاد العالمي. ويؤكد أن هذا التحول يفتح آفاقاً وفرصاً استثمارية جديدة في أسواق كانت تُصنّف سابقاً على أنها ناشئة.

ويختم صليبي بالقول إن منتدى دافوس هذا العام عكس بوضوح مرحلة انتقالية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتقاطع التحديات مع الفرص، ما يتطلب من المستثمرين قراءة المشهد بواقعية وحذر، مع الاستعداد للتكيف مع متغيرات سريعة ومتلاحقة.

رئيس الوزراء الكندي: النظام العالمي القائم على القواعد انتهى