قبل عقود، لم تكن ديترويت مجرد مركز اقتصادي هام في الولايات المتحدة، فالمدينة التي تحتضن كبرى الشركات الأميركية المصنّعة للسيارات كانت مركزا للديمقراطية والدفاع عن الحقوق المدنية. كانت أيضاً مدينة زاهية لا تنام.
ويتذكر جون جورج، رئيس منظمة "بلايت باستاد" كيف أنه كان يلتقي في صباه بمحض الصدفة أشهر مغني موسيقى البلوز والجاز والسوول في شوارع ديترويت، حيث كان سكان المدينة يتهافتون آنذاك على مسارح المدينة ويسجلون اسطواناتهم في استوديوهات "موتاون" الشهيرة.
وقال جون "كانت ديترويت عاصمة العالم" أما اليوم، فسكان المدينة أو بالأحرى من آثر البقاء فيها فيصفها بكل لوعة بأنها أكبر غيتو في العالم.
وأضاف جون أن "ديترويت فقدت أكثر من نصف عدد سكانها في أقل من نصف قرن" بسبب أزمة صناعة السيارات.
وأوضح أن "التنقل لولايات أخرى ترك أحياء بأسرها قاحلة". حيث تقدر السلطات المحلية عدد المنازل المهجورة بنحو 50 ألفا، يباع بعضها بأثمان بخسة تصل إلى الدولار الرمزي، ثم جاءت أزمة 2008 المالية قاصمة. فالآلاف فقدوا وظائفهم ومنازلهم".
ووصفت مديرة منظمة خدمة الأحياء شيلا كلاي التحولات التي خلفتها الأزمة قائلة: "كنا نسجل حوالى 18 ألف شخص دون مأوى. ومنذ 2008، ارتفع الرقم إلى نسب خيالية".
إلا أن الأزمات المتلاحقة التي عاشتها ديترويت قلبت تركيبتها العمرانية رأسا على عقب. فمركز المدينة تحول إلى بؤرة فساد وإجرام، مقابل تطور هام للضواحي التي باتت تحتضن الأحياء الراقية.
ويعتبر خبير التحولات الديمغرافية، كرت متزغير، "أن هذه الظاهرة فريدة من نوعها، إذ أن المألوف أن نسجل نسب جرائم عالية في الضواحي أو بعض منها مقابل استتباب الأمن في مركز المدينة".
ورغم ذلك يبقى جون جورج متفائلا. "لقد استثمرنا أكثر من 20 مليون دولار لإعادة إعمار بعض الأحياء وسنواصل العمل حتى ننقذ ديترويت". "لن أستطيع أبدا قول وداعا"، قالها جورج بابتسامة، متذكّرا كلمات أغنية كلفتون ديفيس التي سجلها في موتاون. إلاّ أنّ ديفيس غادر ديترويت منذ عقود.