تكشف شهادات بشأن نشاط الإخوان في أوروبا عن صعود وجوه شابة ودعاة أقل شهرة، يتولون توسيع حضور شبكات مرتبطة بالتنظيم عبر الجمعيات والعمل الطلابي والمنصات الرقمية، في تحول يصفه متابعون لهذا الملف بأنه انتقال إلى هياكل أكثر مرونة وأقل إظهارا للانتماء التنظيمي.
وفي ألمانيا، يربط الباحث كارستن فريرك هذا التحول بإنشاء منظمات بالتعاون مع أكاديميين شباب، فيما يرى الصحفي الفرنسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط جورج مالبرونو أن قدرة الإخوان على "تسليم الراية بين الأجيال" أتاحت لهم مواصلة الحضور مع تراجع الوجوه التاريخية.
ويأتي هذا النشاط في وقت تتواصل فيه برامج بناء القيادات والشبكات الشبابية العابرة للحدود. ففي يونيو 2026، نظم "منتدى منظمات الشباب والطلاب المسلمين الأوروبيين"، المعروف اختصارا باسم "فيمسو"، تدريبا شارك فيه 36 شخصا من قياداته وممثلي منظمات شبابية من 12 دولة أوروبية، شمل الحوكمة والتمويل وجمع التبرعات والعلاقات العامة، وفق بيان نشره المنتدى.
شبكات الشباب والطلاب
تضع هذه الأنشطة العمل الشبابي والطلابي في صلب النقاش بشأن طبيعة الشبكات التي تتحرك داخل أوروبا، وصلاتها بالتنظيمات السياسية والدينية، وقدرتها على الوصول إلى المؤسسات الأوروبية.
ويعرف "فيمسو"، الذي تأسس عام 1996، نفسه بأنه شبكة أوروبية لمنظمات الشباب والطلاب المسلمين، ويقول إنه يضم 32 منظمة في 22 دولة، ويعمل على تمكين الشباب وتطوير مهاراتهم وربطهم بالمؤسسات الأوروبية والدولية، بحسب بياناته المنشورة.
ويتكون هيكله، وفق بياناته، من جمعية عامة ولجنة تنفيذية ومجلس أمناء. ويقول المنتدى إن برنامجه التدريبي في يونيو استهدف تطوير مهارات القيادة وتبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون بين المنظمات المشاركة.
وأثار سؤال برلماني أوروبي عام 2025 مسألة صلات المنتدى بالإخوان، مستندا إلى تقييم منسوب إلى هيئة حماية الدستور في ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، يعتبره مظلة للعمل الشبابي المرتبط بالتنظيم، ويشير إلى صلات بين بعض المنظمات الأعضاء والشبكة الإخوانية، وفق ما نقله منتدى الشرق الأوسط عن السؤال.
وينفي المنتدى ارتباطه بالإخوان، ويقول إن نشاطه يركز على المواطنة الفاعلة والمشاركة العامة للشباب المسلمين في أوروبا، وفق بيان أصدره ردا على هذه الاتهامات.
ماذا يحدث في ألمانيا؟
يرى فريرك، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن الإخوان في ألمانيا لا يظهرون عادة "بشكل مباشر"، وإنما يتحركون من خلال إنشاء منظمات محددة بالتعاون مع أكاديميين شباب.
ويستشهد بمنظمة "إنسان"، التي يقول إنها أسست بدورها منظمات أخرى، ويورد في هذا السياق اسم تحالف "CLAIM".
وأوضح أن هذه المنظمات تتعاون لاحقا مع جهات أخرى، بينها "الشباب الإنجيلي في ألمانيا"، ضمن "شبكة الكفاءة لمناهضة المواقف المعادية للمسلمين وللإسلاموفوبيا"، مشيرا إلى أن الشبكة حصلت على 1.05 مليون يورو من الموازنة العامة لتمويل أنشطتها خلال الفترة من 2022 إلى 2025.
وبحسب فريرك، تتمحور الرسالة التي يجري الترويج لها حول تقديم المسلمين باعتبارهم ضحايا. ويرى أن مصطلح "العنصرية المعادية للمسلمين" نجح في ترسيخ حضوره من خلال التعاون الوثيق بين هذه المنظمات وجهات أخرى.
ويضيف أن أدوات التأثير تشمل المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وإنتاج المحتوى الإعلامي والفعاليات والندوات، إلى جانب بناء شراكات مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية.
"تسليم الراية"
في فرنسا، يضع مالبرونو انتقال الأدوار بين الأجيال في مقدمة العوامل التي ساعدت الإخوان على الاحتفاظ بحضورهم.
ويقول إن السنوات الماضية شهدت بروز أسماء مثل طارق رمضان وعمار لصفر، وإن انكشاف هذه الشخصيات، وفق تقديره، دفع التنظيم إلى تبني نمط يقوم على التخفي وإعادة التموضع.
وبحسب مالبرونو، يواصل دعاة أقل شهرة نشر خطاب التنظيم، وينشطون خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى جمهور أوسع. ويقول إن هذا التحول بدا واضحا خلال السنوات الخمس الأخيرة في فرنسا، مع اتجاه إلى نشاط أكثر سرية وأقل ظهورا في المجال العام.
ويستشهد بتوقف التجمع السنوي الكبير في لو بورجيه، الذي كان يستقطب، بحسب تقديره، ما بين 100 ألف و200 ألف شخص، ويمثل مصدرا مهما للتمويل.
ويرى أن تراجع الظهور العلني ترافق مع توسع انتشار الخطاب عبر المنصات الرقمية، حيث تستثمر هذه الشبكات الأزمات ومواقف التنديد لإعادة طرح رسائلها وتوسيع دائرة المتلقين.
ويربط مالبرونو هذا النشاط بخبرة تنظيمية طويلة وقنوات متعددة للتمثيل والتواصل، بعضها رسمي والآخر غير رسمي، وبخطاب معلن وآخر مواز تقدم من خلاله هذه الشبكات ما تسميه "الإسلام الوسطي".
جذور التحول
تعود جذور الحضور الإخواني في أوروبا إلى خمسينيات القرن الماضي، حين حمل مهاجرون وطلاب ومنفيون من الشرق الأوسط هذا المشروع إلى القارة، قبل أن يتوسع نشاط شبكاته إلى التعليم والعمل الشبابي والمجتمع المدني والضغط السياسي.
وفي مراجعة حكومية بريطانية نشرت في ديسمبر 2015، خلصت السلطات إلى أن الإخوان وحلفاءهم طوروا، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، استراتيجية للانخراط في المجتمعات الغربية، بعد أن ساهمت قضايا، أبرزها العراق وفلسطين، في تعبئة منظمات الجيل الثاني من المسلمين البريطانيين.
ورصدت المراجعة إنشاء مؤسسات ذات حضور عام خلال التسعينيات لم تكن تعلن ارتباطها بالإخوان. كما وصفت الشبكة في بريطانيا، حتى منتصف 2014، بأنها تضم منظمات ذات روابط مرنة، من دون قيادة موحدة أو سيطرة مركزية مشتركة.