تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط على وقع تحركات إيرانية متزامنة في أكثر من اتجاه، عقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع قصف إيراني بصواريخ بالستية استهدف أهدافا أميركية وأراضي أردنية، وتصاعد التحركات المرتبطة بإيران في العراق واليمن، إلى جانب رفض طهران للمقترح العماني بشأن مضيق هرمز.
ومع هذه التطورات المتلاحقة، تتزايد مؤشرات اتساع رقعة التوتر، في وقت تتباين فيه القراءات بشأن طبيعة التحرك الإيراني، وما إذا كانت طهران قد لعبت بجميع أوراقها في وقت واحد لاستعراض قوتها، أم أنها تتحرك بدافع اليأس نتيجة تراجع خياراتها.
ويرى الأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع أن إيران تعاني من إرباك داخلي وفقدان للبوصلة، وتدرك أن قدراتها لا تسمح لها بخوض مواجهة مباشرة واسعة، لذلك تلجأ إلى استخدام أوراق ضغط متعددة، في مقدمتها التلويح بمضيق هرمز، إلى جانب تحريك ضربات عبر ساحات إقليمية، بينها العراق واليمن، مع عدم استبعاد امتدادها إلى جنوب لبنان.
ويعتبر المناع أن طهران تراهن على إشغال المجتمع الدولي بمسار تصعيدي يزعج الولايات المتحدة ويدفعها إلى تقديم تنازلات بشأن مطالبها، ولا سيما ما يتعلق بالملف النووي، مؤكداً أن تحقيق تخصيب يورانيوم عالي المستوى لن يتحقق حتى لو واصلت إيران التصعيد إلى أقصى الحدود.
ويؤكد المناع أن تحركات إيران لا تستهدف خصومها المباشرين فقط، بل تطال أيضا دولا مجاورة لم تكن طرفا في الصراع، مشيرا إلى أن دول الخليج حافظت، رغم العقوبات المفروضة على طهران، على علاقات إنسانية واقتصادية وتجارية معها، وسعت إلى تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ويرى أن إيران تراهن على أن استهداف هذه الدول سيدفعها إلى المطالبة بوقف الحرب، بما يسمح للحرس الثوري بتقديم ذلك باعتباره دليلاً على تحقيق مكاسب سياسية.
مضيق هرمز.. ورقة نفوذ قد تتحول إلى عبء
ويرفض المناع الاتهامات التي تحمل دول الخليج مسؤولية دفع الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران، معتبرا أن هذا الطرح "ادعاء كاذب"، ومؤكدا أن إسرائيل كانت الطرف الرئيسي الذي دفع باتجاه التصعيد.
كما يشدد على أن دول مجلس التعاون الخليجي طلبت من واشنطن عدم استخدام قواعدها العسكرية ضد أي دولة مجاورة، انطلاقاً من رغبتها في تجنب اتساع دائرة الحرب والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، يشدد المناع على أنه ممر مائي دولي لا يخضع لسيادة دولة واحدة، محذرا من أن تعطيل حركة الملاحة العالمية سيؤدي إلى مواجهة المجتمع الدولي بأكمله، باعتبار أن المضيق يمثل شريانا رئيسيا للتجارة والطاقة.
ويرى أن اعتراض السفن، بما فيها تلك التي تمر عبر الممر القريب من سلطنة عمان، يزيد من عزلة إيران، معتبرا أن الاتفاق الإطاري والمبادرة العمانية كانا فرصة قانونية لإنقاذ طهران من أزمتها، لكنها اختارت، وفق تقديره، الاستمرار في سياسة السيطرة على المضيق.
من امتصاص الضربات إلى الرد عليها
من جانبه، يرى الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح أن إصرار إيران على التصعيد، رغم تراجع قدراتها العسكرية والاستراتيجية، يأتي في إطار محاولة استعادة صدقية "الردع غير المتماثل"، وإظهار امتلاكها أوراق قوة قبل أي مسار تفاوضي مقبل.
ويوضح أن ما تبقى لطهران من أدوات تأثير يتمثل في موقعها الجغرافي، ومضيق هرمز، وشبكة الوكلاء، مشيرا إلى أن أي حرب ستقود في النهاية إلى مائدة مفاوضات تحدد ملامح مرحلة ما بعد الصراع.
ويرى أن رفض طهران للمبادرة العمانية بشأن مضيق هرمز يعود إلى رغبتها في الاحتفاظ بالسيطرة على الممر، موضحا أن المقترح يقوم على ممرين؛ أحدهما إيراني يقدم خدمات مقابل رسوم، والآخر عماني مجاني وأكثر اتساعا وعمقا، ما يجعله أكثر جاذبية للملاحة الدولية.
ويضيف أن إيران تخشى خسارة نفوذها والعوائد المالية التي تقدرها بين 20 و30 مليار دولار سنويا، فضلا عن فقدان المضيق كرمز لنفوذها الإقليمي، داعياً إياها إلى الانتقال من "الثورة إلى الدولة".
الحرس الثوري يختطف القرار
في المقابل، يقدم الكاتب والباحث السياسي صالح القزويني قراءة مغايرة للأحداث، معتبرا أن ما جرى في العراق جاء، من وجهة نظره، نتيجة خرق الولايات المتحدة وحلفائها مذكرة التفاهم الخاصة بوقف العدوان على إيران وحلفائها.
أما الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عمر الرداد، فيميز بين الدولة الإيرانية والحرس الثوري، معتبرا أن الأخير اختطف الدولة وبات يتحكم بالقرار السياسي والعسكري داخل إيران.
ويرى أن الهجمات الأخيرة تعكس انتقال الحرس الثوري من سياسة الدفاع إلى الهجوم الاستباقي، استنادا إلى تقديرات باحتمال استهداف العمق الإيراني أو الجزر الإيرانية عقب لقاء ترامب ونتنياهو.
ويشير الرداد إلى أن الحرس الثوري لم يتمكن من فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز بعد فتح الممر العماني، معتبرا أن استهداف السفن التي تعبر الممر الذي فتحته سلطنة عمان يمثل "قرصنة بحرية"، وأن تحركات الحوثيين والميليشيات العراقية تأتي، بحسب تقديره، بتوجيهات إيرانية في ظل إدراك طهران أن ورقة المضيق لن تستمر إلى الأبد.
ويخلص إلى أن السرديات الإيرانية بشأن دورها الإقليمي، ودعمها لفلسطين، واستهداف القواعد الأميركية، وعلاقتها بالميليشيات، تواجه تحديا متزايدا أمام الرأي العام العربي والدولي.