في مشهد لافت يكشف عمق الاضطراب داخل المنظومة السياسية الأميركية، يعيش الكونغرس موجة من الضغوط المتصاعدة تكشف هشاشة مبدأ فصل السلطات، وسط أتون الأزمة مع إيران.
فبين قرارات تولد وأخرى تجهض، وبين ضغوط رئاسية تعيد رسم الخرائط التصويتية، تقف الولايات المتحدة أمام امتحان عسير لمصداقيتها أمام العالم.
الكونغرس في مواجهة ترامب
رصد الدبلوماسي السابق مسعود معلوف خلال حديثه لـ"غرفة الأخبار" على "سكاي نيوز عربية"، تفاصيل الاجتماع العاصف بين الرئيس دونالد ترامب وأعضاء مجلس الشيوخ، مشيرا إلى أن ترامب أهانهم ووبخهم وأسمعهم كلاما غير لائق إطلاقا، معربا عن استيائه الشديد من التصويت الذي جرى الثلاثاء، حين خالف 4 من أعضاء الحزب الجمهوري صفوف حزبهم وانضموا إلى الديمقراطيين للمطالبة بوقف الحرب.
غير أن معلوف استدرك أن القرار الصادر ليس ملزما قانونيا ولا يحمل أي قوة تنفيذية فعلية على أرض الواقع.
ولعل أبرز ما أثاره معلوف هو طبيعة العلاقة الشخصية المتشابكة داخل المشهد التشريعي، إذ حصل تبادل كلام قوي بين ترامب والسيناتور بيل كاسيدي في الاجتماع ذاته، علما أن كاسيدي سيناتور سقط في الانتخابات التمهيدية بعد أن دعم ترامب خصمه بقوة، ليجد نفسه في موقف لا يخشى معه عواقب الانشقاق.
وبعد هذا الاحتقان، أفضت ضغوط ترامب إلى أن يتراجع معظم الجمهوريين عن موقفهم، بينما بقي اثنان منهم فحسب على قرارهم السابق، ليصدر قرار ثان بات أقوى رمزيا من سابقه، لكنه يظل، كما قال معلوف، بلا أي فعالية قانونية على أرض الواقع.
البستاني: 3 أبعاد لمعركة النفوذ الداخلي
في المقابل، قدم الخبير في الشؤون الأميركية والشرق أوسطية سعيد البستاني قراءة لما جرى، معتبرا أن "الأمر الذي حصل هو جزء من اللعبة الداخلية في أميركا"، ومقاربا المسألة من 3 محاور متشابكة، أولا: أن الموقف "يلطخ صورة قيادته للمجموعة الجمهورية"، وهو ما يعكس شرخا في الانسجام الحزبي، وثانيا: أن صدور قرار من الكونغرس بوقف الحرب "يرسل رسالة ضعف قوية للإيرانيين وبالتالي ربما يجعلهم يتعنتون أكثر" في مفاوضات تعدها واشنطن مصيرية، وثالثا: أن الأزمة تطرح تساؤلا جوهريا حول "من يسيطر على الحزب الجمهوري".
ولفت البستاني إلى أن للسيناتور بيل كاسيدي "أسبابه الخاصة"، إذ إنه "فشل في الانتخابات التمهيدية وبالتالي شعر بأنه حر، أو على الأقل بإمكانه الانتقام من دونالد ترامب لأنه أيد مرشحا مناوئا له"، مما يشي بأن تصويته كان تعبيرا عن رد فعل شخصي قبل أن يكون موقفا أيديولوجيا.
وحول ما إذا كانت ثمة مقايضة أفضت إلى عودة الجمهوريين عن قرارهم، قال صراحة: "لا أدري ما المقايضة التي حصلت".
غير أنه خلص إلى أن "ترامب أوقف هذه الحرب وربما لن يعود إليها إلا لطارئ كبير جدا"، مشيرا إلى أن بمقدور الرئيس التحرك تحت "تسميات عديدة قانونيا يستطيع الإفلات من هذا الأمر"، مثل "عملية خاصة ورد فعل ودفاع عن النفس"، في إشارة إلى ثغرات تشريعية تمكنه من الالتفاف على القيود التي يفرضها الكونغرس.
ويتفق معلوف والبستاني على أن الخسارة الأكبر ليست في القرار ذاته، بل في الصورة التي قدمتها هذه الأزمة للعالم، فقد أكد معلوف أن أميركا التي تتباهى بمبدأ فصل السلطات بين القضائية والتشريعية والتنفيذية، شهدت أمام الرأي العام الدولي كيف أن ضغط السلطة التنفيذية أفضى إلى قلب موازين تصويت السلطة التشريعية، وهو ما يضرب في الصميم مصداقية الولايات المتحدة الدولية.
ويستدرك البستاني قائلا إن مفهوم الدكتاتورية غير وارد في السياق الأميركي، فثم منظومة "نظام الضوابط والتوازنات" أي التوازن بين السلطات الثلاث، يحرسها النظام القضائي، ولا سيما المحكمة العليا التي لا قرار أعلى من قرارها، غير أنه يوافق معلوف على أن ما جرى داخل الكتلة الجمهورية يضعف المشهد ويظهر أن ثلثي الشعب الأميركي باتوا ضد الحرب، وهو ما انعكس في مواقف الكونغرس نفسه قبل أن تتدخل الضغوط الرئاسية.
ترامب يدفع فاتورة نتنياهو
لم يتوقف معلوف عند حدود الأزمة الداخلية، بل ذهب أبعد ليشكك في الأهداف التي خاضت الولايات المتحدة الحرب من أجلها، قائلا إن الإدارة الأميركية لم تحدد أهدافا واضحة منذ الانطلاق: وزير الخارجية ماركو روبيو يعلن هدفا، ووزير الدفاع بيت هيغسيث يعلن هدفا مغايرا، بينما يغير ترامب نفسه رأيه مرات عدة.
ويرى معلوف أن نتنياهو هو من استدرج ترامب إلى هذا المستنقع، مستشهدا بما أطلقه السيناتور كريس فان هولن من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان يبحث منذ 40 عاما عن رئيس يقوده إلى حرب ضد إيران "حتى وجده أخيرا".
أما البستاني فيتناول الأمر من منظور النتائج، ممهدا بالقول إن "هناك مخاطر في الذهاب إلى الحرب، إذا فشلت ما الذي يمكن أن يحدث، وإذا نجحت ما الذي يمكن أن يحدث".
ثم يستحضر سيناريو افتراضيا: "لنفترض أن نتيجة هذه الحرب كانت مختلفة منذ الأسبوع الأول، يعني أن الولايات المتحدة قادت هجوما كبيرا في أول يوم على هرمية السلطة في إيران، لنفترض أن الوضع تغير وأن إيران خضعت، وأن الأمر لم ينته إلى ما انتهى عليه الآن، لو كنا الآن نناقش الشرق الأوسط ما بعد إيران، لربما كنا نناقش الأمن الإقليمي بشكل آخر، لربما كنا نناقش عمليات السلام".
وعندها يقر البستاني قائلا: "أنا عمليا لم أكن من المؤيدين للحرب في المطلق"، غير أن ما حدث فعلا، وفق البستاني، أن إيران "وصلت إلى نقطة لم يعد أمامها أي شيء تخسره، وهذه الكلمة تعني أنها خسرت الكثير قبل أن تصل إلى مرحلة لم يعد معها شيء تخسره، فأغلقت مضيق هرمز، وباتت الأولويات لدى الرئيس ترامب. عناوينها اقتصادية مختلفة".
ورأى أن "الأمر سيعني انغماسا في حرب طويلة وهناك قتلى أميركيون وما إلى هنالك، وهذه ستكون كارثة عليه وعلى حزبه وعلى كل السياسات، وهذا الأمر لم يكن الرأي العام الأميركي مستعدا له".