تتجه الحرب الأوكرانية نحو منعطف جديد بعد إعلان موسكو أن واشنطن لم تعد تصلح للقيام بدور الوسيط المحايد، في تصعيد كلامي يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير مفاوضات السلام ومستقبل التفاهمات التي رعتها الإدارة الأميركية.
وبين اتهامات روسية متصاعدة وغياب أي اختراق ميداني أو سياسي، يرى الباحث السياسي بسام البني أن الأزمة عادت إلى "نقطة الصفر"، في وقت يتزايد فيه البحث عن وسطاء بدلاء قد لا يملكون القدرة على ملء الفراغ الذي تركته واشنطن.
واشنطن لم تكن محايدة يوما
يرى البني أن تعريف الوسيط يفرض شرطاً أساسياً، وهو الحياد الكامل وعدم دعم أي طرف على حساب الآخر، معتبراً أن الولايات المتحدة "منذ البداية هي الطرف غير المحايد"، ولم تظهر يوماً أنها كذلك.
وفي قراءته لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشير الباحث إلى أن الأفعال التي تقوم بها الإدارة الأميركية هي المسؤولة عنها، بصرف النظر عن الخطاب السياسي المعلن.
ويرى البني أن الإعلان الروسي بعدم اعتبار الولايات المتحدة وسيطاً مستقبلاً يعني عملياً أن أي مبادرة أميركية مقبلة لن تكون مقبولة من الجانب الروسي، وهو ما يعيد مسار التفاوض إلى نقطة الصفر، وهو ما يعيد الملف برمته إلى نقطة الصفر مجدداً.
روح ألاسكا.. ولدت ميتة
في تشخيصه لمصير تفاهمات ألاسكا، يؤكد البني أن "روح أنكوريج قُتلت في مهدها"، معتبراً أن ذلك يعود إلى عدم ممارسة ضغوط على أوكرانيا أو على الدول الغربية الداعمة لها.
ويفصّل الباحث في التعهدات التي لم تُنفذ، مشيراً إلى أن روسيا التزمت من جهتها بعدم التذكير بملف إرجاع الصواريخ المنتشرة في أوروبا، في حين لم يُذكر أي شيء عن تحرير إقليمي دونباس بالكامل، ولا عن ملفات أخرى عديدة.
ويخلص البني إلى أن ما جرى هو تعهد أميركي بإخراج أوكرانيا من دونباس لم يُترجم على الأرض، إذ لم تخرج كييف من المنطقة، ولم تمارس واشنطن ضغطاً كافياً لإلزامها بذلك، الأمر الذي يعيد الأطراف، بحسب تعبيره، إلى "مرحلة صفر" جديدة.
أزمة الوسيط البديل
أمام تراجع الثقة بالدور الأميركي، يطرح البني سؤالاً محورياً: أين يمكن إيجاد وسيط محايد بديل؟ ويستعرض عدداً من الخيارات المطروحة دون أن يجد فيها بديلاً مكتملاً. فتركيا التي نجحت عام 2022 في التوصل إلى اتفاق بين موسكو وكييف، جرى نسف ذلك الاتفاق ثم تجاهله من الجانب الأوكراني. والصين تُعتبر، من منظوره، منحازة ضمنياً إلى روسيا.
أما الدول العربية التي أدت دوراً وساطياً مهماً في ملف تبادل الأسرى، فيرى أنها تفتقر إلى المقومات اللازمة، إذ يجب أن يكون الوسيط المحايد قوياً وداعماً، وقادراً على تقديم ضمانات حقيقية لأي اتفاق محتمل. ويخلص إلى أنه لا يوجد في الوقت الراهن وسيط يمكن أن يضطلع بهذا الدور.
تعنّت أوروبي وتعهدات معلّقة
يضيف البني عاملاً آخر يُعقّد المسار، وهو تعنّت القارة الأوروبية ودعمها المباشر للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورفضها الانصياع لرغبة واشنطن بخفض الدعم. ويذكّر بتعهدات سابقة بالاعتراف في دونباس وشبه جزيرة القرم كأراضٍ روسية، دون أن يُترجم ذلك إلى خطوات فعلية على صعيد العقوبات أو غيرها.
ويرى الباحث أن روسيا تنتظر، لكنها باتت تعتبر أن ما يقوم به الغرب وأميركا هو استغلال للوقت وإطالة لحرب استنزاف لم تتمكن موسكو فيها من تحقيق نصر حاسم، نتيجة عدم الالتزام بالاتفاقيات السابقة التي جرى التوصل إليها خلال الحرب، أبرزها تفاهمات إسطنبول وأنكوريج.
مفترق طرق: حسم أو استنزاف
يضع البني المشهد الحالي أمام مفترقين لا ثالث لهما: الحسم العسكري أو الاستنزاف طويل الأمد، الذي يصفه بأنه يضر بروسيا وبالشارع الروسي الذي بات، بحسب تعبيره، "يغلي من الداخل بشكل كبير" بسبب المسيرات التي تطال الأراضي الروسية، ما يدفع الداخل الروسي إلى المطالبة بحسم عسكري سريع، دون أن يكون واضحاً مدى جهوزية الجيش الروسي لتحقيق ذلك بشكل كاسح.
ويختم البني بالإشارة إلى أن أي تمسك أميركي حقيقي بروح ألاسكا والعودة إلى مسار التفاوض قد يكون آخر فرصة، لكنه يحذر من أن إعلان موسكو رسمياً رفض هذا الوسيط، بعد مشاركته في التخطيط الاستراتيجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، يعني عملياً أنها لن تقبل بأي مبادرة أميركية مقبلة. والمعضلة الأكبر، بحسب تعبيره، أن لا أحد غير الولايات المتحدة يستطيع ضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل بين روسيا وأوكرانيا.