منذ الـ23 من مارس الماضي، لم تكد تمر مناسبة دون أن يطل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح متفائل يؤكد فيه أن الاتفاق مع إيران بات "قريبا جدا".
بلغة الأرقام، كرر ترامب 37 مرة الوعد ذاته، وفق رصد شبكات إخبارية أميركية، من دون أن يرى ذلك الاتفاق الموعود النور بعد.
وبين خطاب أميركي يبشر باختراق وشيك، ونفي إيراني متواصل، وانفجار حادثة إسقاط مروحية "أباتشي" فوق مضيق هرمز، يبرز سؤال جوهري: هل تقترب المفاوضات فعلا من نهايتها، أم أننا أمام تكتيك تفاوضي متعدد الأبعاد يستهدف إدارة الأزمة لا حسمها؟.
"التاسعة" على "سكاي نيوز عربية" استضافت الخبير بالشؤون الأميركية والشرق أوسطية سعيد البستاني، الذي فكك أبعاد المشهد بدءا من لعبة الضغط المزدوج، مرورا بإدارة أسواق النفط والداخل الأميركي، وصولا إلى التنازلات النووية الشائكة ومستقبل الاتفاق المحتمل.
"قريب جدا" 37 مرة: هل هو تكتيك تفاوضي متعمد؟
يكشف تكرار ترامب الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، رغم غياب أي إعلان نهائي، عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي وواقع المفاوضات.
فمنذ انطلاق المفاوضات في 23 من مارس الماضي، كرر ترامب تصريحاته بأن الاتفاق بات وشيكا أو "قريباً جداً" 37 مرة بحسب ما رصدته شبكات إخبارية أميركية.
ففي أواخر مارس، شدد ترامب على أن طهران "ترغب بشدة وتتوسل لإبرام صفقة"، ومع مطلع أبريل حدد مهلة لا تتجاوز الأسبوعين لإنجاز الاتفاق، قبل أن يرفع سقف التوقعات منتصف الشهر ذاته متحدثاً عن إمكانية إتمامه خلال "يوم أو يومين" ومعتبرا إياه شبه منته.
أما في مايو الحالي وحتى اليوم، استمر في إطلاق وعود متكررة بأن الاتفاق "بات قريبا جدا" أو قد ينجز خلال "أيام قليلة"، دون أن يتحقق ذلك على أرض الواقع.
يرى البستاني أن هذا التكرار ليس عشوائيا، بل هو "أسلوب تفاوضي يمارسه الرئيس منذ بداية هذه الأزمة"، وهو في جوهره "إدارة أزمة" تشمل "إدارة أسواق النفط، وإدارة الداخل الأميركي، وإدارة المفاوض الإيراني في هذا الإطار".
ويوضح أن هذه الإيجابية المعلنة تهدف إلى "دفع الإيرانيين بطريقة أو بأخرى للذهاب نحو المفاوضات"، مشيرا إلى أنه إذا لم يتحقق ما تريده الولايات المتحدة "سنبقى في دائرة المفاوضات والضغط المزدوج الذي يمارسه الرئيس ترامب منذ البداية".
معادلة الضغط المزدوج: "أباتشي" بين الحادث والاستثمار السياسي
تبرز حادثة مروحية "أباتشي" كنموذج صارخ لاستراتيجية "الضغط المزدوج" التي يصفها البستاني. فبينما أصدرت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" بيانا يؤكد أن البحث جار عن سبب سقوط الطائرة، خرج ترامب ليعلن أن "القوات الإيرانية أسقطت مروحية أميركية من طراز أباتشي كانت تقوم بدورية فوق مضيق هرمز"، واصفا الحادثة بالخطيرة، ومؤكدا أن الولايات المتحدة "مضطرة للرد على هذا الهجوم".
يطرح البستاني سؤالا محوريا: "هل هي حقيقة أن إيران أسقطت هذه الطائرة؟ أم أن الرئيس وجدها فرصة لإضافة مزيد من الضغط؟".
ويجيب بالعودة إلى مفهوم "الضغط المزدوج"، موضحا أن هناك "ضغطا إيجابيا ودبلوماسيا على الإيرانيين"، يقابله "ضغط عسكري" يتمثل في تهديدات متكررة، وهجمات سابقة على نقاط محددة في مضيق هرمز، وحصار "قال ترامب إن نتائجه أفعل بكثير من أي عمليات عسكرية".
ويخلص إلى نتيجة لافتة: "إذا نظرنا إلى 37 مرة من الاتفاق وشيك، فقد يوازيها 37 مرة من التهديد بالقوة".
ازدواجية الخطاب الإيراني: لماذا لا نرى تنازلات معلنة؟
في مقابل التفاؤل الأميركي المعلن، تقف إيران بخطاب مختلف تماماً. يعزو البستاني هذا التباين إلى حاجة النظام الإيراني إلى "خطاب داخلي مختلف وخطاب خارجي مختلف". فالخطاب الخارجي "موجه إلى حلفائها في المنطقة"، بينما الخطاب الداخلي "موجه للشعب الإيراني للقول إن هذه المعركة خرجنا منها منتصرين، وأن لا اتفاق ولا تنازلات".
ويكشف هذا التباين، وفق البستاني، عن حقيقة أعمق: "هذا يشي بأن الوضع الداخلي في إيران ليس على ما يرام"، فحاجة جهة سياسية أو نظام أو حكومة إلى "هذا الكم من الأفكار الإيجابية ومن الانتصارات" يعني "أن هناك شيئا ليس على ما يرام".
ورغم غياب التصريحات الإيجابية والتنازلات عن الجانب الإيراني علنا، يشير البستاني إلى أن "الوسطاء الباكستانيين بدأوا واضحين بأنهم يتحدثون عن إيجابيات"، متسائلا إن كان هذا "لدفع وساطتهم قدما"، لكنه يقر بأنه "لابد أنه في النهاية قد تصل الأمور إلى تنازل إيراني يفضي إلى توقيع الاتفاق، إذا لم يحطم ذلك... وكل العدة العسكرية لا تزال جاهزة وفي أماكنها استعداداً لجولة عنف جديدة".
النووي الإيراني: اليورانيوم عالي التخصيب.. تنازل مشروط ومرونة زمنية
في قلب المفاوضات، يقف الملف النووي كأكبر العقد وأشدها تعقيدا. يؤكد البستاني أن "موضوع اليورانيوم عالي التخصيب" هو التنازل الذي تريده واشنطن "أكيد".
ويكشف عن تمايز أميركي بين "التصلب بالمبادئ" و"المرونة بالتنفيذ أو بالمهل أو بتفاصيل معينة". ففي البداية، كانت الولايات المتحدة تصر على "الاستحواذ على اليورانيوم عالي التخصيب"، لكن عندما أبدت إيران مرونة بالتخلي عنه، "بادرت الولايات المتحدة" بقبول خيارات بديلة، منها تسليمه إلى كازاخستان الموثوقة من واشنطن، أو "تدميرها على الأرض داخل إيران برقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية".
أما فيما يتعلق بالتخصيب داخل إيران، فيصف البستاني الحديث عن "20 عاما من دون تخصيب" بأنه "مرونة سياسية، مرونة دبلوماسية"، مضيفا بتشكك: "أنا على وشك أن أسأل من سيبقى حيا من الآن إلى 20 عاما"، معتبرا أن دفع الأمور إلى هذه المستويات من السنين "يعني أن هناك نية للانتهاء منها مع مرور الوقت".
ويخلص إلى فارق جوهري بين ما يجري الآن و"اتفاق أوباما" الذي كان فيه "بند غروب"، أي بنود تنتهي بزمن محدد، بينما "إدارة ترامب حتى الساعة لم تصل إلى القول إن هناك بنوداً أبدية"، ويصف ذلك بأنه "مأزق"، لأن "ما نسمعه لم يوقع عليه حتى الساعة، هو مجرد مفاوضات ومحاولات لأخذ تنازلات بحسب أولويات معينة".
مضيق هرمز.. ورقة لا ترمى قبل ضمان المقابل
تملك إيران، بحسب البستاني، "عددا محدودا من الأوراق". ويأتي مضيق هرمز في مقدمتها، فهو "أوراق لا تريد التنازل عنها قبل ضمان شيء بالمقابل". وتقابل هذه المعادلة رغبة أميركية واضحة: "واشنطن تريد فصل مضيق هرمز عن المفاوضات الأساسية"، لتكون معادلة "هرمز مقابل الحصار" ويتم إنهاء هذه الجزئية "خارج الاتفاق". أما "باقي الأوراق التي تملكها واشنطن، من الأرصدة المجمدة إلى العقوبات، فهذه كلها لن تتحرك إذا لم تتنازل إيران في الموضوع النووي".
ويخلص البستاني إلى نتيجة حاسمة: "هذا يجعل من إيران أيضا بحاجة للاتفاق"، رافضا الفكرة السائدة بأن "إيران مرتاحة على وضعها ولديها كل الوقت".
نحو اتفاق أم مواجهة؟ مأزق قد ينفجر
يجيب البستاني بواقعية عن سؤال المستقبل قائلا: "أنا بالنتيجة لست كثيرا متفائل... أتعاطى بواقعية مع المعطيات السياسية التي نستطيع جمعها"، مشيراً إلى أن الأمر قد يكون فيه "تفاؤل مبالغ فيه"، محذراً من أن "الخيار الآخر هو العودة إلى حرب".
ويضيف أن الرئيس ترامب "نجح إلى حد كبير في إدارة أسواق النفط والداخل الأميركي والاستحقاقات"، مشيراً إلى أنه "كان يمكن أن يكون الوضع الاقتصادي العالمي أسوأ من ذلك".
ويعتقد البستاني أن "تضييق هذه الفجوة سيحتاج إلى كثير من الأخذ والرد، إذا لم تعد وتنهار الأمور باتجاه العسكري". ويرجح ألا تكون هناك "جولة جديدة للحرب الآن"، مستدركاً "قد يعود بعد شهر ربما"، لكن الثابت راهنا أن "هناك قناعة لدى هذه الإدارة والمحيطين بالرئيس ترامب أن هذا الحصار يفعل فعله، وأن إيران تعاني من وضع في النتيجة سيجبرها على التنازل للاستمرار".
لكنه يحذر من أن التأخير المتواصل وتبادل "الخطابات النارية وعدم التنازل" يعنيان أن "هذا الأمر ليس على الطريق الصحيح"، مختتما بتحذير مفاده أن "هذا المأزق سينفجر عاجلا أم آجلا".