في مشهد يتكرر منذ أكثر من 3 سنوات، عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليُطلق تصريحاته المعتادة عن قرب نهاية الصراع في أوكرانيا، وعن استعداده للتفاوض، ملوحا بمرونة لم يرفقها بأي إجراء ملموس على أرض الواقع.
غير أن المشهد الميداني والدبلوماسي يحكي رواية مغايرة تماما، يفصلها رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار عماد أبو الرب في حديثه لـسكاي نيوز عربية، كاشفا عن خريطة تحولات معقدة تجعل من أي تسوية قريبة أمراً بالغ الصعوبة، في ظل احتلال روسيا لما يُعادل خُمس المساحة الأوكرانية الإجمالية.
تصريحات معادة وإرادة غائبة
لم يُبد أبو الرب أي مفاجأة إزاء ما صدر عن بوتين على هامش احتفالات يوم النصر في الساحة الحمراء، إذ قال إن هذه التصريحات "تتكرر منذ أكثر من سنتين وثلاث سنوات، وحتى الآن لا يوجد جديد".
ويرى أبو الرب أن المعيار الحقيقي لقياس الجدية الروسية ليس الكلام، بل "الأدوات التي تُقدمها روسيا دليلا على أنها تعني ما تقول وأن لديها إرادة سياسية حقيقية لدى الرئيس بوتين تحديدا لتحقيق مقاربة جديدة".
والخطوة الجوهرية التي ينتظرها الجميع، بحسبه، هي أن تخبر روسيا الوسطاءَ باستعدادها لعقد هدنة مؤقتة تحت إشراف دولي، وأن تجلس للتفاوض لبحث كافة بنود الخلاف، وهو ما لم يتحقق بعد.
ويحلل أبو الرب هذه التصريحات من زاويتين: الأولى تعكس "عجز روسيا عن أي تقدم أو حسم عسكري، وهذا واضح"؛ والثانية تكشف عن مسعى موسكو لـ"محاولة إيجاد نوع من الاستقرار الداخلي لدى الشعب الروسي ولدى الجيش الروسي، في ألا يُثار نوع من القلق الداخلي في صورة روسيا أمام المجتمع الدولي".
هدنة مثقوبة وتبادل أسرى مُعلَّق
على الصعيد الميداني، أشار أبو الرب إلى أن الهدنة الثلاثية التي وافق عليها الكرملين عقب مبادرة ترامب لم تُحقق الغرض منها، لافتاً إلى أن "خروقات كانت على خط الجبهة تحديداً منذ بداية الإعلان عنها".
وفيما يخص ملف تبادل الأسرى الذي أشار إليه بوتين في خطابه، يرى أبو الرب أن "هناك نوعاً من الانسحاب غير المباشر من الجانب الروسي"، وهو ما دفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الإعلان بأن صفقة التبادل "يبدو أنها غير جاهزة الآن للتحقق".
خُمس الأراضي محتل ومرونة أوكرانية مشروطة
يكتسب هذا الملف ثقلا استثنائيا في ضوء رقم محوري أشار إليه أبو الرب، وهو أن ما يعادل خُمس المساحة الأوكرانية بات اليوم تحت السيطرة الروسية، وهو رقم يُشكل الضغط الأكبر على طاولة أي تفاوض مستقبلي.
وفي هذا السياق، أوضح أبو الرب أن كييف باتت تُدرك أن مسألة استعادة الأراضي "قضية يمكن نقاشها والقبول بجزء منها"، مُشيرا إلى أن القيادة السياسية الأوكرانية "أبدت مرونة باتجاه قضية هامة، وهي أنها بدأت تدرك أن مسألة استعادة الأراضي يمكن نقاشها والقبول بجزء منها على حساب المزيد من الأراضي".
غير أن هذه المرونة مشروطة بوجود إرادة حقيقية من الجانبين معا، لا من طرف واحد دون الآخر، مع التمسك بالقانون والميثاق الدولي وحق الشعب في تقرير مصيره وسيادة أراضيه.
ويؤكد أبو الرب أن المرحلة الراهنة تستدعي من الوسطاء، ولا سيما الولايات المتحدة التي تؤدي "دوراً خاصاً في هذا الشأن"، أن "تمارس طرح مبادرة جديدة ضمن نقاط محددة واضحة يرضى بها الطرفان، ويتم متابعتها بشكل واضح، وبالتالي كل من يخترق بنداً فيها يصبح فعلا أمام المجتمع الدولي".
ويرى أن المعطيات باتت ناضجة نسبيا، إذ إن مسألة انضمام أوكرانيا إلى الناتو "باتت غير مطروحة في ظل وجود ضمانات تُقدم لأوكرانيا من الاتحاد الأوروبي أو الناتو أو حتى أميركا".
يختتم أبو الرب تحليله بتأكيد أن المشهد العسكري تبدل جذريا، مشيرا إلى أن "روسيا عجزت عن الحسم العسكري، وعجزت عن الضغط في المفاوضات على الجانب الأوكراني للرضوخ لشروطها، وعجزت عن استمالة أميركا". في المقابل، فإن أوكرانيا "باتت تصنع وتطور التصنيع وتخترق وتستهدف نقاطا حساسة بشكل مستمر"، وهي اليوم قادرة على تعطيل المخطط الروسي الأساسي.
بيد أن روسيا تكثف ضرباتها على منطقتي كراماتورسك وسلوفيانسك في إقليم دونباس، وإن نجحت في فرض سيطرتها عليهما واستكملت احتلال الإقليم، فـ"يمكن هنا أن يكون لديها موقف أكثر مرونة للجلوس للتفاوض".
ويخلص أبو الرب إلى أن البلدين "استنزفا عسكريا وفي الخسائر البشرية، وعجزا عن أي حسم"، مما يجعل الكرة اليوم في ملعب الوسطاء الدوليين لتقديم "عروض وأفكار جديدة تتوافق مع المستجدات".