في الوقت الذي يحتفل فيه العالم في الأول من مايو بقيمة العمل ودور العمال في بناء الاقتصادات، تبدو الصورة في إيران أكثر قتامة؛ إذ دخل الاقتصاد المحلي واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود، تحت وطأة ضغوط متصاعدة بفعل الحرب والسياسات الحكومية.
وألقت هذه التطورات بظلالها الثقيلة على سوق العمل، ودفعت ملايين الإيرانيين إلى دائرة البطالة، أو إلى ما يُعرف محليًا بـ"الدخول الصفرية"، في إشارة إلى توقف مصادر الدخل بالكامل لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
ووفق تقارير محلية إيرانية، تعرض أكثر من 23 ألف مصنع وشركة لأضرار مباشرة أو غير مباشرة بسبب الحرب، بينما أعلن مسؤولون إيرانيون أن نحو مليون وظيفة فُقدت بصورة مباشرة، إلى جانب مليون وظيفة أخرى تأثرت بشكل غير مباشر نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية وسلاسل التوريد.
وقال محللون اقتصاديون إيرانيون في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن الحكومة الإيرانية تتحمل جانبًا كبيرًا من تفاقم الأزمة الحالية، بسبب ما وصفوه بغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة في احتواء تداعيات الحرب والعقوبات على سوق العمل والمعيشة، إذ لم تتمكن من توفير شبكات حماية فعالة للعمال، واستمرار حجب الإنترنت للشهور الثالث على التوالي، على الرغم من اعتماد قطاعات إنتاجية وشركات خاصة عليه بشكل كبير.
وأضاف المحللون أن استمرار الإنفاق على الجانب العسكري جاء على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمية، ما أدى إلى تراجع الاستثمارات وتآكل القدرة الشرائية للإيرانيين بصورة غير مسبوقة، في الوقت الذي فاقم ضعف برامج الدعم الاقتصادي من حالة الغضب الشعبي الداخلي.
قطاعات إيرانية في عين العاصفة
جاءت الصناعات الثقيلة والطاقة بين أكثر القطاعات تضررًا، بعد استهداف منشآت بتروكيماوية ومصانع صلب رئيسية، ما أدى إلى تسريح عمال أو منحهم إجازات غير مدفوعة الأجر، في حين امتدت الأزمة إلى مصانع النسيج والأغذية وشركات النقل والخدمات اللوجستية، في ظل نقص المواد الخام وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الطلب المحلي.
كما تسببت القيود الواسعة على الإنترنت في ضربة إضافية لقطاع الاقتصاد الرقمي والعمل الحر، خاصة لدى الشباب والنساء العاملات من المنازل، حيث أفادت تقارير إيرانية بأن شركات تجارة إلكترونية ومنصات رقمية كبرى نفذت بالفعل موجات تسريح للعمالة، بينما فقد آلاف العاملين المستقلين قدرتهم على التواصل مع العملاء أو تنفيذ أعمالهم عبر الإنترنت.
من بين هؤلاء العاملين، "آسال"، وهي مصممة مستقلة في الثلاثينيات من عمرها تقيم في طهران، والتي اعتادت الحصول بشكل مستمر على مشروعات من الخارج، لكن بعد ما يقرب من شهرين من انقطاع الإنترنت، قالت لشبكة "سي إن إن" الأمريكية إنه "لا توجد مشاريع جديدة، ولا حتى ردود على الرسائل، وكأن كل شيء توقف فجأة بين ليلة وضحاها".
وشددت المصممة الإيرانية على أن "دخلها لم يعد يغطي حتى نفقاتها الأساسية".
وكشفت بيانات وزارة العمل الإيرانية، عن قفزة حادة في طلبات الحصول على إعانات البطالة خلال الفترة الأخيرة، إذ تقدم نحو 147 ألف شخص بطلبات دعم خلال الشهرين الماضيين فقط، وهو رقم يعادل قرابة ثلاثة أضعاف المعدلات المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس اتساع موجة تسريح العمال وتوقف الأنشطة الاقتصادية في عدد كبير من القطاعات.
وتشير البيانات الرسمية الإيرانية إلى أن إجمالي عدد العاملين في البلاد يبلغ نحو 24.8 مليون شخص، فيما يقدر عدد العمال المؤمن عليهم بنحو 12 مليونًا فقط، بينما يعمل الجزء الأكبر بعقود مؤقتة أو دون أي تغطية قانونية أو تأمينية.
أزمات متراكمة
بدوره، قال عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، موسى أفشار، إن "أزمة البطالة في إيران لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، بل كانت متفاقمة بالفعل نتيجة التدهور الاقتصادي المستمر وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية"، مشيراً إلى أن "الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مئات المدن الإيرانية خلال الأشهر الماضية كانت مدفوعة في الأساس بحالة الغضب الشعبي من الأوضاع المعيشية الصعبة واتساع دائرة الفقر والبطالة".
وأوضح "أفشار" في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن تراجع الريال الإيراني بصورة حادة أمام الدولار أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية والغذاء، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد من حالة شلل وتراجع في النشاط الإنتاجي، الأمر الذي انعكس مباشرة على سوق العمل وزاد من معدلات فقدان الوظائف.
وأضاف أن "الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت اقتصادية وبنى تحتية خلال الحرب عمقت الأزمة بصورة أكبر، بعدما ألحقت أضراراً بعدد من القطاعات الصناعية والخدمية، لكن الأزمة كانت موجودة داخل المجتمع الإيراني بالفعل نتيجة للسياسات الحكومية الخاطئة".
وأشار "أفشار" إلى أن "قطاعات واسعة من الإيرانيين ترى أن الإنفاق على المشاريع العسكرية والإقليمية جاء على حساب تحسين الأوضاع الاقتصادية الداخلية، في وقت يطالب فيه المواطنون بفرص عمل وتحسين مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي".
*الحرب تكشف عمق الانهيار
أما المحلل الاقتصادي الإيراني حسين داعي الاسلام، فقال لسكاي نيوز عربية، إن"ما تشهده إيران اليوم من تصاعد حاد في معدلات البطالة لا يمكن فصله عن بنية الاقتصاد السياسي للنظام، بل إن الحرب الأخيرة لم تكن سوى عامل مُسرع لانفجار أزمة كانت قائمة أصلاً نتيجة الفساد المنظم وهيمنة مؤسسات السلطة، وعلى رأسها الحرس الثوری للنظام الإيراني، على مفاصل الاقتصاد".
وأوضح داعي الاسلام أن "القطاعات الأكثر تضرراً هي تلك المرتبطة مباشرة بالاستثمار والإنتاج، وعلى رأسها قطاع البناء، الذي يُعد مؤشراً حساساً لحالة الاقتصاد".
وأضاف أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن "أكثر من 90 بالمئة من ورش ومشروعات البناء توقفت عن العمل، فيما تتراوح نسبة البطالة بين عمال القطاع بين 80 إلى 90 بالمئة، بعدما جُمدت معظم المشروعات العمرانية بالكامل، باستثناء عمليات إزالة الأنقاض في بعض المواقع المرتبطة بالمؤسسات العسكرية أو مساكن مسؤولين".
وأشار إلى أن "خطورة هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجم البطالة، بل في طبيعة سوق العمل الإيراني نفسه، إذ أن أكثر من 90 بالمئة من عقود العمل هي مؤقتة أو يومية، ونحو 55 بالمئة من العاملين لا يملكون أي تأمين أو حماية اجتماعية، وهذا يعني أن فقدان العمل لا يقود إلى انخفاض الدخل فقط، بل إلى "دخول صفرية" فورية، حيث يفقد العامل كل مصدر رزقه بمجرد توقف العمل.
وأضاف داعي الاسلام أن "القطاع غير الرسمي، الذي كان يشكل صمام أمان جزئي في السنوات الماضية، تعرّض هو الآخر للشلل في ظل الظروف الأمنية والحربية"، موضحاً أن أنشطة مثل البيع المتجول أو الأعمال الهامشية توقفت تقريباً، ما أغلق آخر منافذ البقاء أمام شرائح واسعة من المجتمع.
اقتصاد "متدهور"
تعكس التطورات الأخيرة حجم الضغوط العنيفة التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني منذ اندلاع الحرب، بعدما سجل الريال انهيارًا تاريخيًا أمام الدولار وسط موجة طلب متزايدة على العملات الأجنبية، إذ قفز سعر الدولار إلى نحو مليون و810 آلاف ريال، وهو أدنى مستوى تصل إليه العملة المحلية على الإطلاق، في ظل اندفاع المواطنين والشركات نحو شراء النقد الأجنبي بعد تراكم الطلب خلال أسابيع الصراع العسكري الممتد.
ويأتي هذا التراجع الحاد للعملة بالتزامن مع تصاعد معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للإيرانيين، إذ فقد الريال نحو 15 بالمئة من قيمته خلال يومين فقط.
وفي المقابل، أعلن البنك المركزي الإيراني أن معدل التضخم السنوي خلال مارس بلغ 72 بالمئة، وسط توقعات بتسارع أكبر في الأسعار خلال الفترة المقبلة مع استمرار هبوط العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد والسلع الأساسية.
وكانالاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل قبل اندلاع الصراع؛ إذ انخفض متوسط الدخل السنوي للفرد من نحو 8 آلاف دولار عام 2012 إلى 5 آلاف دولار فقط في 2024، تحت وطأة التضخم والفساد والعقوبات، بحسب "سي إن إن".
وتشير تقديرات حديثة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن توقعات الاقتصاد الإيراني تبدو أكثر قتامة في الوقت الراهن؛ إذ قد ينضم ما يصل إلى 4.1 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر بسبب الحرب، مع تراجع النشاط الاقتصادي وتعطل سلاسل الإمداد وتضرر آلاف المنشآت الصناعية والخدمية، وتسريح آلاف العاملين من الوظائف.