يتواصل انقطاع الإنترنت في إيران منذ قرابة شهرين، في واحدة من أطول فترات العزل الرقمي التي شهدتها البلاد، وسط اتهامات للنظام باتباع سياسة تمييزية تتيح الوصول إلى الشبكة لفئات محددة عبر ما يُعرف بـ"شرائح SIM البيضاء"، بينما يُحرم ملايين الإيرانيين من الخدمة.
هذا الواقع أثار موجة غضب واسعة في الداخل الإيراني، حيث اعتبر نشطاء وخبراء أن ما يجري يتجاوز كونه إجراء تقنيا، ليصل إلى مستوى "التمييز الرقمي المنظم"، في ظل تداعيات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.
ووفق منظمة "نت بلوكس" المعنية بمراقبة اضطرابات الإنترنت عالميا، فإن انقطاع الشبكة في إيران دخل يومه التاسع والخمسين، بعد أكثر من 1392 ساعة من الانقطاع شبه التام، وهو ما وصفته المنظمة بأنه "ظلام رقمي" يحجب الانتهاكات عن العالم الخارجي.
تمييز مُنظّم
الناشط والأكاديمي الإيراني، علي باقري، قال في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية " إننا في إيران نواجه تمييزا مُنظّما لا يهدف إلا إلى شلّ المجتمع وحماية النظام من الانتفاضات الشعبية، حيث قام النظام بهندسة عكسية لشبكة الإنترنت، فقيّد وصول 80 مليون إيراني إلى شبكة داخلية، بينما خصّص نطاقا تردديا خاصا ضمن قائمة بيضاء لحلفائه":
وأضاف "هذه السياسات دفعت الجامعات والمدارس إلى طريق مسدود، فالطلاب عاجزون عن الوصول إلى أبسط الموارد العلمية العالمية، والنظام التعليمي شل عمليا، وهو ما يتسبب في انهيار تعليمي وعلمي غير مسبوق:
وتابع: "لقد بلغ الغضب في الأوساط الأكاديمية والشوارع ذروته، فالجميع ساخطون بعدما تعطلت حياتهم وأعمالهم اليومية، وحرموا من مهامهم، حتى أنهم لا يستطيعون متابعة الأخبار أو آخر المستجدات، وكأننا عدنا إلى العصر الحجري في ظل هذا النظام".
وأشار إلى أن "الطلاب، الذين يمثلون الطبقة المثقفة، يتعرضون لضغوط ورقابة شديدة، حيث يدرك النظام أنه يخشى الانفجار الاجتماعي أكثر من أي تهديد خارجي، ومنح الإنترنت غير الخاضع للرقابة لأقلية حاكمة، مع إبقاء الأغلبية في عزلة، هو أوضح دليل على طريقة تعامله مع الشعب.
قمع رقمي
من جانبه، وصف مهدي عقبائي، عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، هذه السياسات بأنها " قمع رقمي"، مؤكدا أن "ما يسمى ببطاقات الإنترنت البيضاء هو تكريس لحالة التوجس التي يعيشها النظام أمام صوت الشعب الإيراني".
وأوضح في تصريحاته لموقع "سكاي نيوز عربية": "الهدف ليس تنظيما تقنيا، بل عزل أكثر من 80 مليون إيراني عن العالم الخارجي ومنعهم من تبادل الصور والأخبار عن واقع القمع، بينما تمنح السلطة وصولا حرا وغير مفلتر لأجهزتها الأمنية ومؤسساتها الموالية وجيشها الإلكتروني".
وأضاف: "هذه السياسات تحرم الملايين، بينهم أكثر من 10 ملايين عامل في الاقتصاد الرقمي، من حقهم في العمل، متسببة بخسائر يومية تُقدر بنحو خمسة آلاف مليار تومان".
وأشار إلى أن "ردود الفعل الشعبية تعكس حالة غليان، حيث يرى الإيرانيون أن النظام حوّل الفضاء الافتراضي إلى إقطاعية خاصة، ولم يعد الغضب حبيس الجدران، بل امتد حتى إلى وسائل إعلام تابعة للنظام التي اعترفت بفشل سياسة الحجب".
وتابع: "تقارير إيرانية وصفت هذه السياسات بأن النظام يعطي مفاتيح السجن للمقربين فقط، بينما كشفت عن مافيا لبيع برامج كسر الحجب(VPN) بتداول مالي يتراوح بين 30 إلى 50 ألف مليار تومان".
موجة غضب واسعة
بدوره، قال الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبد الرحمن، إن:"التحكم في الإنترنت يمثل أحد أبرز أدوات السيطرة التي يعتمدها النظام الإيراني لمنع تسرب المعلومات وإعاقة تواصل المحتجين مع الخارج".
وأضاف في تصريحاته لموقع "سكاي نيوز عربية": "التمييز في استخدام الإنترنت تسبب في ضجة كبيرة، خاصة مع تمتع النخب السياسية والإعلامية باتصال غير مقيّد، وهو ما أثار موجة غضب واسعة في الشارع الإيراني".
وأشار إلى أن "هذه السياسات ليست جديدة، إذ اعتاد النظام تقييد الإنترنت خلال الأزمات عبر ما يُعرف بالشبكة الوطنية للمعلومات، لكنها تطورت هذه المرة بشكل أكبر وألحقت أضرارًا واسعة بالمجتمع".
واختتم قائلاً: "النظام استخدم هذه الأدوات خلال جائحة كورونا، لكنه وسّع نطاقها مؤخرًا، خاصة مع تصاعد التوترات، بهدف حرمان المواطنين من الوصول إلى المعلومات، مقابل منح الامتيازات لدوائر موالية تخدم الرواية الرسمية.