تفاقمت أزمة تأخر صرف الرواتب في إيران، لتطال شرائح واسعة من العمال والموظفين والمتقاعدين، وصولا إلى أفراد الجيش وأجهزة الأمن، وسط تصاعد الضغوط المعيشية، في الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن هذه الأزمة ليست بمعزل عن الاختلالات الاقتصادية التي ضاعفتها تداعيات الحرب، وألقت بظلالها الثقيلة على حياة الإيرانيين اليومية.
وأكدت المعارضة الإيرانية أن التدهور الاقتصادي الناتج عن الحرب، إلى جانب الانقطاع المتواصل للإنترنت، تسبب في أضرار جسيمة للمواطنين، شملت تعطل العديد من الأعمال، فضلا عن أزمة تأخر صرف الرواتب لأكثر من شهرين، في حين تصاعدت المطالبات بتدخل حكومي عاجل لاحتواء الأزمة وإنهائها.
ووفقا لمحللين متخصصين في الشؤون الإيرانية، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، فإن أكثر من 60 بالمئة من إيرادات الشركات العامة تعتمد على خدمات الإنترنت الدولية، وهو ما جعلها عرضة لتداعيات الانقطاع والقيود المفروضة على الشبكة، كما أسهمت الضغوط المالية المتصاعدة في إضعاف قدرة هذه الشركات على سداد رواتب الموظفين في مواعيدها، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في انتظام الصرف، في ظل غياب دعم حكومي كاف لمعالجة الأزمة.
ولم يقتصر الأمر على الشركات العامة والقطاع الخاص، إذ ذكرت شبكة "إيران إنترناشيونال" المعارضة أن وحدات الشرطة وأفراد الجيش وبعض المتقاعدين لم يتقاضوا رواتبهم منذ شهرين وحتى الآن.
كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار إلى ذلك سابقا، حين ذكر أن "عناصر الجيش والشرطة الإيرانية يشكون من عدم تقاضي رواتبهم"، في سياق حديثه عن إغلاق مضيق هرمز، معتبرا أنها "تريد فتحه لتجني 500 مليون دولار يوميا".
وفي محاولة للحد من تداعيات التضخم وتلبية الطلب المتزايد على السيولة النقدية، بدأت البنوك الإيرانية الشهر الماضي طرح ورقة نقدية جديدة من فئة 10 ملايين ريال، وهي الأكبر في تاريخ البلاد.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد المخاوف اليومية من تبعات الحرب، التي انعكست بشكل مباشر على الحياة المعيشية عبر موجة غلاء شاملة طالت مختلف السلع والخدمات، بدءا من المواد الأساسية كالغذاء والدواء، وصولا إلى أسعار الوجبات في المقاهي داخل المدن.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية عمق الأزمة، حيث تسجل إيران معدلات تضخم تعد من بين الأعلى عالميا بلغ 50.6 بالمئة خلال الشهر الماضي، في حين يكشف الاتجاه العام عن تآكل حاد في القدرة الشرائية، خصوصا مع الارتفاع غير المسبوق في أسعار الغذاء، إذ تجاوز تضخم المواد الغذائية 112 بالمئة في مارس الماضي.
انهيار معيشي
من جانبه، قال الخبير في الشؤون الإيرانية مهدي رضا إن "تأخر صرف الرواتب في إيران لم يعد مسألة إدارية أو خللا تقنيا، بل بات مؤشرا مباشرا على عمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها النظام".
وأضاف رضا، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "وسائل الإعلام التابعة للنظام تعترف اليوم بأن الدولة تواجه عجزا مزمنا في الموازنة، وأن تكاليف الحرب عمقت هذا العجز إلى مستوى غير مسبوق، بما يضع رواتب العاملين والمتقاعدين وسائر الالتزامات الجارية تحت ضغط متزايد".
واعتبر أن "أخطر ما في الأمر هو أن النظام يحاول تحميل المجتمع كلفة أزماته البنيوية والحرب معا، فحين تتأخر الرواتب أو تصرف على شكل دفعات مؤقتة كما حدث مؤخرا في ملف معاشات بعض فئات المتقاعدين بسبب تأخر إقرار تفاصيل الزيادات، فإن الرسالة الحقيقية هي أن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء المنتظم بالتزاماتها دون ترحيل الأزمة من شهر إلى آخر".
وأشارت تقارير إيرانية إلى أن معاشات شهر أبريل لبعض المتقاعدين صرفت "على الحساب" بانتظار استكمال قرارات الزيادة، أي بشكل مؤقت إلى حين الانتهاء من احتساب القيمة النهائية المستحقة.
ولفت رضا إلى أن "الداخل الإيراني يعيش صورة قاسية من تآكل المعيشة، خاصة بين العمال الذين لا يملكون دخلا شهريا ثابتا ويعجزون عن تحمل الإيجارات، وخطورة هذه الأزمة لا تتوقف عند حدود الاقتصاد والمعيشة، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي نفسه، فالمجتمع الإيراني، تحت وطأة البطالة والتضخم وتأخر الرواتب وانهيار القدرة الشرائية، بات أشبه ببرميل بارود".
وشدد على أن "في مثل هذا المناخ، فإن أي ضغط إضافي على الناس، ولا سيما على الموظفين والعمال والمتقاعدين الذين ينتظرون رواتبهم لتأمين الحد الأدنى من العيش، يمكن أن يفجر موجة جديدة من الغضب الشعبي الداخلي".