اعتبرت مجموعة الأزمات الدولية أن الهجمات التي شهدتها العاصمة المالية باماكو، السبت، تمثل "تصعيدا كبيرا" في مسار النزاع بمنطقة الساحل، وتعكس مرحلة جديدة بلغتها الجماعات المسلحة في الاستراتيجية التي تتبعها خلال السنوات الأخيرة لاستهداف المراكز الحضرية الرئيسية في البلاد.
وقال مدير مشروع الساحل في المجموعة، جان هيرفي جيزيكيل، في تصريحات لموقع سكاي نيوز عربية، إنه منذ العام 2022، تضاعف عدد الهجمات التي تقودها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة على المدن في بوركينا فاسو ومالي والنيجر أكثر من ثلاث مرات.
وأوضح جيزيكيل أن "استراتيجية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كانت تعتمد في البداية بشكل أساسي على السيطرة على المناطق الريفية أو الأطراف، لكنها توسعت الآن لتشمل استهداف المدن الكبرى".
وأضاف: "يتجلى ذلك بشكل خاص في تصاعد الضغط العسكري على المدن عبر هجمات من هذا النوع، والضغط الاقتصادي على الدول والسكان من خلال الحصار وتخريب البنية التحتية الصناعية والتعدينية، وأخيرا الضغط السياسي عبر رسائل تدعو شخصيات معارضة وقوى سياسية أخرى إلى تولي السلطة".
وأشار إلى أن "الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل فوجئت بهذا التحول، لكنها سعت رغم ذلك إلى التكيف معه، ولذا أصبحت حماية المدن وخطوط الإمداد أولوية، إلى جانب مرافقة القوافل لإعادة تموين المناطق المحاصرة".
ماذا حدث في مالي؟
وفي صباح السبت، تعرضت مالي لهجمات مسلحة متزامنة ومنسقة استهدفت عدة مواقع استراتيجية داخل البلاد، في واحدة من أكبر العمليات الأمنية التي تشهدها منذ سنوات.
وبحسب مجموعة الأزمات الدولية، استهدفت الهجمات العاصمة باماكو، إلى جانب مدن كيدال وسيفاري وموبتي وغاو، مؤكدة أنه "رغم تزايد الهجمات التي تستهدف المراكز الحضرية في مالي خلال السنوات الأخيرة، فإن هذه العملية تبدو أوسع نطاقا وأكثر خطورة، وربما غير مسبوقة من حيث الحجم والتنسيق".
ووفقا لتقارير الجيش المالي، استهدفت "جماعات إرهابية مسلحة" ثكنات عسكرية ومواقع حيوية في باماكو وداخل البلاد، حيث سمع دوي انفجارات قوية وإطلاق نار كثيف قرب قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية شمال العاصمة ومطار موديبو كيتا الدولي، بالإضافة إلى مدن مثل سيفاري وسط البلاد، وغاو وكيدال في الشمال.
وأعلن الجيش المالي أن قواته "منخرطة في عمليات القضاء على المهاجمين"، مؤكدا في بيان لاحق أن الوضع أصبح تحت السيطرة، مع استمرار عمليات التمشيط.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس أن الهجمات بدت منسقة بين جماعات مختلفة، حيث أشارت مصادر أمنية إلى تورط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، بالتنسيق مع متمردي الطوارق من"جبهة تحرير أزواد".
وأصدرت السفارة الأميركية في باماكو تحذيرا أمنيا فوريا دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى الاحتماء في أماكنهم وتجنب التنقل، فيما أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات لما تمثله من خطر على المدنيين.
وحتى الظهيرة، بدت الشوارع الرئيسية في وسط باماكو شبه خالية، مع التزام واسع من السكان بالبقاء في المنازل، خصوصا بعد تحذيرات أمنية دعت إلى تجنب التحرك نحو مناطق كاتي والمطار.
وميدانيا، نشر الجيش المالي حواجز ودوريات على الطرق المؤدية إلى كاتي والمطار، وفرض قيودا على الحركة في تلك المناطق، في محاولة لعزل مسرح العمليات ومنع امتداده إلى قلب المدينة.
ومنذ نيل مالي استقلالها عن فرنسا في ستينيات القرن الماضي، لم تعرف البلاد استقرارا طويل الأمد، إذ تعاقبت عليها الأزمات السياسية والأمنية، وتصاعدت حدة الخلافات الداخلية، حتى غدت الانقلابات العسكرية سمة متكررة في مشهدها السياسي كلما اشتدت التوترات وتفاقمت الأوضاع المعيشية.
وفي الوقت الراهن، يواجه النظام الحاكم جملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها مطالب الحركات الانفصالية في الشمال، وهي أزمة مزمنة تعود إلى أكثر من عقد، إلى جانب تصاعد التهديدات الإرهابية التي تزيد من هشاشة الوضع الأمني وتعمق حالة عدم الاستقرار.