بينما تتصاعد التوترات الإقليمية والدولية حول البرنامج النووي الإيراني، يقدم الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل العتوم، قراءة تحليلية دقيقة للواقع الإيراني الراهن، مستندا إلى تصريحات رسمية ومعلومات استخبارية.
ويشير العتوم إلى أن طهران تحاول، رغم فقدانها كثير من أوراق النفوذ السابقة، تعزيز موقعها التفاوضي عبر سياسة الغموض النووي والتلويح بخيارات استراتيجية متعددة، تشمل التخصيب المتقدم والتسليح النووي الجزئي، في حين تواجه ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة وحلفائها.
وأكد العتوم أن إيران سعت خلال السنوات الماضية إلى تقليل التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي، بما يسمح لها بتخفيف الرقابة الدولية وزيادة حرية تخصيب اليورانيوم.
ولفت إلى أن عدد كاميرات المراقبة الدولية انخفض من 72 إلى 26 كاميرا، في خطوة عملية لتقليص الشفافية، كما رفعت إيران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، متجاوزة الحد المسموح به بموجب اتفاق 2015، مع زيادة أجهزة الطرد المركزي المتطورة من نوع IR6 وIR9.
وأشار العتوم إلى أن هذا التوجه يمثل جزءا من سياسة "حافة الهاوية" الإيرانية، تهدف إلى ابتزاز الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجموعة 5+1 والولايات المتحدة، لتعظيم أوراقها التفاوضية بعد فقدانها كثير من النفوذ السابق، مثل السيطرة على مضيق هرمز وباب المندب وتحريك وكلائها الإقليميين.
عسكرة البرنامج النووي والاستراتيجية الدفاعية
وأوضح العتوم أن إيران مضت في عسكرة برنامجها النووي، لا سيما بعد اغتيال محسن فخري زاده، حيث أشار قادة إيرانيون مثل حسين سلامي وكمال خرازي إلى قدرة البلاد على تصنيع القنبلة النووية خلال أسابيع، ما يعكس جدية التهديد النووي الإيراني.
وأوضح أن المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها نطنز وفوردو وأصفهان ويزد وآراك، تم تصميمها لتكون استراتيجية في مواجهة أي ضربة عسكرية محتملة، مع إنشاء منشآت سرية تعتمد على ورش صغيرة لإنتاج وتخزين أجهزة الطرد المركزي بشكل متفرق، مما يصعب على المفتشين الدوليين مراقبتها بالكامل.
وعلى الرغم من استهداف بعض العلماء والكوادر التقنية الإيرانية، يؤكد العتوم أن البرنامج النووي لا يزال متماسكا، مع وجود فئة عمرية نشطة بين 30 و45 عاما، ما يجعل إيران قادرة على الاستمرار في التخزين والتخصيب دون انقطاع كبير.
السياسات الإيرانية الغامضة وغياب الشفافية
أشار العتوم إلى أن إيران اعتمدت سياسة الغموض النووي منذ سنوات، متهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بممارسات غير موثوقة، وموضحا أن نسب تخصيب عالية بلغت 90% في بعض أجهزة الطرد المركزي تم تبريرها بالاستيراد من باكستان، فيما كانت تتهم أجهزة التفتيش الدولية بمحاولة إلصاق تهم عسكرة البرنامج النووي الإيراني.
وتتجلى هذه السياسة أيضا في تضخيم المخاطر داخليا وخارجيا، من خلال التهديد بضربات نووية تكتيكية واستعراض الأوراق العسكرية والحوثية، بما يسهم في رفع سقف التفاوض وتحقيق أكبر مكاسب استراتيجية لإيران، رغم الخسائر السياسية والعسكرية التي تكبدتها في السنوات الأخيرة.
الضغوط الأميركية والخيارات العسكرية
كشف العتوم أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى خيار القوة لفرض رقابة على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك عمليات برية محددة لاستهداف المنشآت النووية، واستحواذ على اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزية.
وأوضح أن التصعيد غير المسبوق للرئيس ترامب، بما في ذلك التهديد بضرب الطاقة والنفط والإبادة الاقتصادية، يهدف إلى إجبار إيران على الجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بحل سلمي.
وحدد العتوم 3 مستويات محتملة للعملية العسكرية: احتلال الساحل الجنوبي للجمهورية الإيرانية والجزر الإيرانية تدريجيا، وعمليات استخباراتية داخل إيران لاختراق المنشآت النووية، واستهداف البنى التحتية الاستراتيجية والصواريخ والمخازن العسكرية التي لم تتمكن الضربات الجوية من تدميرها.
وأشار العتوم إلى أن إيران تستعد للتحديات الداخلية عبر التعبئة العامة والتجنيد الإجباري للشباب ابتداء من سن 14، واستقدام ميليشيات زينبيون وفاطميون والحشد الشعبي، لتعزيز القدرات الدفاعية ورفع معنويات النظام، بينما تهدف الإجراءات الأميركية إلى خلق ضغط داخلي.
وتابع العتوم أن هذه السياسة تضيف طبقة إضافية من الغموض إلى أوراق إيران التفاوضية، حيث يسعى النظام إلى استعراض القوة وإبراز إمكانية الرد العسكري أو النووي التكتيكي، ما يجعل كل تحركاته محل متابعة دقيقة من الولايات المتحدة وحلفائها.