في ظل الضربات الأميركية الإسرائيلية المتواصلة على إيران، تجد الجماعات الكردية نفسها أمام قرار بالغ الحساسية. هل تستغل اللحظة للتحرك ضد النظام؟ أم تتجنب مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر في ظل غموض الاستراتيجية الأميركية ونهايات الحرب.
هذا ما أكده وينثروب روجرز، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والمتخصص في قضايا السياسة والأمن الإقليمي وشؤون الأقليات، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس).
ويقول روجرز إنه بعد أكثر من أسبوع على بدء الضربات الجوية الأميركية الإسرائيلية المتواصلة على إيران، لا تزال نهاية الحرب غير واضحة المعالم.
وفي ظل وضع يزداد تعقيدا، لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمتلك استراتيجية متماسكة ومستقرة، إذ تطرح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهدافا وتبريرات متغيرة ومتباينة.
ووسط هذا الغموض، بدا أن ترامب يشجع الجماعات الكردية في إيران على الانتفاض ضد النظام الإيراني، قبل أن يبدو وكأنه يتراجع عن موقفه لاحقا.
ففي 5 مارس، أي بعد 6 أيام من إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما، قال ترامب بشأن احتمال تحرك عسكري كردي: "من الرائع أنهم يريدون فعل ذلك، وأنا أؤيد ذلك تماما".
لكن بعد يومين فقط، قال للصحفيين: "لا أريد للأكراد أن يدخلوا إلى إيران.. فالحرب معقدة بما يكفي كما هي".
وعمليا، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ قصف مكثف على أهداف في المناطق الكردية غرب إيران.
وقد فُسر ذلك على أنه محاولة محتملة لتهيئة الأرض أمام الأحزاب الكردية المتمركزة في تلك المنطقة وعبر الحدود في العراق لشن هجوم ضد النظام.
وذكرت شبكة "سي إن إن" نقلا عن مسؤولين أكراد وأميركيين لم تسمهم أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي ي إيه) تعمل على تسليح قوات كردية.
وأفاد التقرير بأن إدارة ترامب تجري مناقشات نشطة مع جماعات كردية بشأن تقديم دعم عسكري لها، ربما لشن هجوم يمكن أن يقيد قوات أمن النظام ويفتح المجال أمام انتفاضة أوسع للمعارضة.
ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق على تقرير "سي إن إن"، بينما قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن "أيا من أهدافنا لا يقوم على افتراض دعم تسليح أي قوة بعينها".
وكانت الولايات المتحدة قد دربت ومولت مقاتلين أكرادا في كل من العراق وسوريا في السابق.
وبناء على هذه التجارب، تجد الجماعات الكردية الإيرانية نفسها أمام معضلة، فالشراكة مع الولايات المتحدة قد تحدث فرقا إيجابيا حقيقيا في تحقيق أهدافها، لكنها ستكون في الأساس علاقة قائمة على المصالح المتبادلة.
كما لا توجد مؤشرات تذكر على أن إدارة ترامب مستعدة لتضمين التزام أساسي بدعم الأهداف السياسية للأكراد، إذ يبدو أن تصورها لنهاية الصراع في إيران يكتنفه الارتباك في أفضل الأحوال.
ويقول روجرز إنه لذلك يتعين على كل من واشنطن والأكراد الإيرانيين التفكير في مدى قوة واستمرارية أي دعم أميركي محتمل، خاصة في ضوء تجارب سابقة تخلت فيها الولايات المتحدة عن شركائها الأكراد، كان أحدثها عندما تخلت عن "قوات سوريا الديمقراطية".
كما يتعين عليهم أيضا التساؤل عما إذا كانت انتفاضة كردية تخدم مصالحهم على المدى الطويل أم لا.
الأكراد في إيران
يشكل الأكراد إحدى أكبر الأقليات العرقية في إيران. ويقدر عددهم بما يتراوح بين 7 و15 مليون نسمة (نحو 8 إلى 17 بالمئة من إجمالي سكان البلاد).
ويتركز وجودهم على طول الحدود الغربية لإيران مع العراق وتركيا، وهي من أكثر مناطق البلاد فقرا.
ورغم أن الدستور الإيراني ينص نظريا على المساواة في الحقوق بين جميع القوميات، فإن الحكومة الإيرانية لجأت في الواقع مرارا إلى العنف لقمع مظاهر الهوية الثقافية واللغوية والسياسية الكردية.
وبحسب روجرز، يتسم المشهد السياسي الكردي بالتشرذم بين عدة أحزاب تتبنى طيفا واسعا من الأيديولوجيات وتستند إلى قواعد دعم مختلفة.
كما أن الرأي العام الكردي ليس موحدا، ولا يؤيد جميع الأكراد الأحزاب القومية الكردية.
وتملك هذه الجماعات أيضا سجلا ضعيفا في التعاون فيما بينها، بل إنها خاضت أحيانا صراعات ضد بعضها البعض.
ومع ذلك، فإن ما يجمع الأحزاب القومية الكردية هو معارضتها للجمهورية الإسلامية وسعيها لضمان حقوق الأكراد والحكم الذاتي المحلي في إطار إيران ديمقراطية مستقبلية.
في 22 فبراير، أعلنت 5 أحزاب كردية تشكيل ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران.
وتشمل هذه الأحزاب: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب كومله لكادحي كردستان، وحزب حرية كردستان، وخبات، وحزب الحياة الحرة الكردستاني.
وفي 4 مارس انضم أيضا حزب "كومله" إلى الائتلاف.
وتتمركز قيادة هذا الائتلاف إلى حد كبير في العراق أو في دول الغرب، لكنها تتمتع أيضا بتنظيم داخل إيران عبر شبكات سرية.
أما حزب الحياة الحرة الكردستاني فينظر إليه باعتباره الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، الذي خاض تمردا طويلا ضد الدولة التركية، ويفترض أنه يمتلك كوادر أكثر خبرة في القتال. في المقابل، يعد حزبا حرية كردستان وخبات أصغر بكثير ويتمتعان بتأثير محدود داخل كردستان الإيرانية.
التحديات على الرغم من توحد هذه الأحزاب، فإن اختبارات كبيرة تنتظرها، بحسب روجرز.
فحجم القوات العسكرية التابعة لهذه الجماعات وقدراتها القتالية الفعلية غير معروفين. وعلى مدى سنوات، ظل معظمها محصورا داخل معسكراته في إقليم كردستان العراق، بينما تبقى قوتها داخل إيران غير واضحة.
ورغم أن قوات الأمن الإيرانية تعرضت لقدر من الضعف، فإنها لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على استخدام العنف، وأظهرت استعدادها لاستعماله ضد السكان المدنيين الأكراد، كما حدث خلال احتجاجات يناير 2026.
واستهدف الجيش الإيراني بالفعل قوات كردية في العراق في إطار رده على الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وبالتالي، يقول روجرز إن إطلاق الجماعات الكردية عمليات مسلحة ضد النظام يمثل مخاطرة هائلة، حتى مع وجود دعم جوي أميركي وإسرائيلي.
وقال عبد الله مهتدي، زعيم حزب كومله، لصحيفة "دي تسايت" الألمانية مؤخرا: "لن نرسل قواتنا إلى المسلخ".