في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع مؤشرات التصعيد الميداني مع إشارات ارتباك داخلي غير مسبوق داخل بنية القرار الإيراني. وبين حديث عن انتقال مركز الثقل إلى القيادة العسكرية المتشددة، وتكثيف الضغوط العسكرية والاستخبارية، تبرز تساؤلات جوهرية حول اتجاهات المواجهة المقبلة، وحدود استخدام أوراق الوكلاء، وإمكان تحوّل الصراع إلى ساحات أوسع.
في هذا السياق، قدّم الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل العتوم، والباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع جون هاريسون، قراءتين تحليليتين في مقابلة مع "سكاي نيوز عربية"، تكشفان ملامح مرحلة عنوانها عدم اليقين وتعدد السيناريوهات.
انتقال مركز الثقل وصراع الأجنحة
يرى نبيل العتوم أن الأمور "مرشحة للتصعيد خلال الفترة القليلة القادمة"، لافتا إلى أن الجانب الإيراني بدأ يصعّد "بشكل غير محسوب على المراحل بهدف تجنب حرب شاملة"، مع إبقاء "عامل الذات مرتفعاً" عبر السعي إلى توسيع رقعة الاشتباك الإقليمي ونقل المعركة خارج الأراضي الإيرانية، ورفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.
ويعزو العتوم هذا المسار إلى انتقال مركز الثقل من القادة الدينيين السياسيين إلى القيادة العسكرية المتشددة في الحرس الثوري، بما غلّب منطق "الردع بالقوة القصوى" على إدارة المخاطر بالعقل والسياسة.
ويشير إلى أن المرحلة الراهنة قد تشهد محاولة فرض معادلة جديدة قبل تبلور مسألة خلافة المرشد، في ظل ما وصفه بصراع داخلي بين أجنحة النظام.
ويؤكد أن التصفيات التي طالت أكثر من 44 شخصية من قيادات الصفين الأول والثاني أفرزت توزيع أدوار متعمداً داخل النظام، بين جناح عسكري أمني متشدد يسعى إلى التصعيد الميداني، وجناح سياسي يحاول احتواء التداعيات، معتبراً أن ذلك لا يعكس تناقضا بقدر ما يجسد استراتيجية تبادل أدوار.
كما يلفت إلى أن غياب المرشد أخلّ بالتوازن داخل المؤسسات الحكومية، وضرب منظومة القيادة والسيطرة وسلسلة القيادة المؤقتة التي تفتقر إلى خبرة طويلة في الجانبين السياسي والعسكري، في ظل قيادة مؤقتة ذات خلفية أكاديمية ودينية، مقابل خلفيات حرسية تقود العمل العسكري.
ضغط عسكري واختراقات نوعية
يربط العتوم حالة الارتباك أيضا بالضغط العسكري الكثيف من الولايات المتحدة، وما وصفه بتآكل الردع والاختراقات الاستخبارية الكبيرة، مشيرا إلى تقارير عن وجود فرق من الموساد وقوات خاصة أميركية داخل طهران، وهو ما اعتبره تحولاً نوعياً يضاعف الضغط النفسي وقد يدفع الأمور إلى منحى مختلف خلال ساعات أو أيام.
وفي ما يتعلق بساحات الاشتباك، يؤكد أن من يقود حزب الله اللبناني حالياً هم ضباط من الحرس الثوري، وأن إيران قررت إقحام الحزب في المواجهة، ضمن استراتيجية تفعيل حرب الوكلاء والحرب غير المتماثلة لتفادي حرب مباشرة مكلفة.
ويتحدث عن توزيع أدوار بين حزب الله والحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي، بهدف استنزاف إسرائيل على جبهات متعددة وفتح جبهة الشمال لتخفيف الضغط عن إيران.
ويشير إلى أن الهدف يتمثل في حفظ الردع بعد اغتيال خامنئي عبر الرد من خلال الوكلاء، مع الاحتفاظ بأوراق إضافية تشمل خلايا وميليشيات "شبحية"، مؤكداً أن طهران تنظر إلى العمليات العسكرية الجارية باعتبارها تستهدف بقاء النظام ووجوده.
الإغراق الناري وتعدد السيناريوهات
في المقابل، يلفت العتوم إلى أن إسرائيل مستعدة لحرب على "سبع جبهات"، وأنها تنتهج سياسة "الإغراق الناري"، مستشهداً بعدد الضربات التي استهدفت المواقع الإيرانية، والتي قاربت في يوم واحد القوة النارية لأسبوع كامل.
ويرى أن هذا النمط قد يُسقط على الساحة اللبنانية عبر ضربات موجعة وعمليات استهداف ممنهج، مع تنسيق كامل في توزيع الوظائف بين الولايات المتحدة التي تستهدف البرنامجين النووي والصاروخي، وإسرائيل التي تركز على أدوار محددة.
ويطرح العتوم سيناريوهين للتعامل مع الملف اللبناني: توسيع تدريجي للعمليات، وهو لا يرجّحه، أو اعتماد سياسة الإغراق الناري بضربات مكثفة وسريعة.
كما يتحدث عن دفع ما تبقى من الوكلاء، والاستمرار في استهداف القواعد الأميركية باعتبارها أهدافاً عسكرية شرعية من وجهة النظر الإيرانية، ومحاولة خلق معادلة ردع جديدة عبر التلويح بمنظومات صاروخية متطورة لم تُستخدم بعد، مع إرباك الدفاعات وتوزيع الجهد الأميركي على مسارح متعددة.
ارتباك القرار وغياب البوصلة
من جهته، يرى جون هاريسون أن إيران "لا تعرف ماذا تريد"، في ظل تقارير عن غياب السيطرة والتحكم، وتصرفات غير منطقية، واحتمال اتخاذ قادة محليين قرارات دون تنسيق، أو منحهم تفويضاً أوسع بعد أحداث يونيو الماضي.
ويشير إلى تكرار توصيف ما جرى بأنه تهديد وجودي للنظام، ما قد يفسر سلوكاً يقوم على المقاومة دون الاكتراث بالأسبوع المقبل أو المستقبل، خصوصاً إذا كان النظام يعتقد أنه قد لا يصمد طويلاً أو أنه لم يعد لديه ما يخسره، في ظل انقسام داخل النخبة بعد ما تعرض له قادتها.
وفي ما يتعلق بتطورات يوم السبت، يوضح هاريسون أن تقارير أميركية تحدثت عن معلومات بشأن وجود المرشد الأعلى وقادة آخرين في اجتماع استخباري، ما جعل الهجوم "فرصة لا تفوت" تم اغتنامها، رغم عدم وجود مؤشرات مسبقة على اندلاع حرب فوراً.
كما يؤكد أن المفاوضات مع إيران لم تكن تتجه إلى هذا المسار، وأن الإدارة الأميركية كانت قد خلصت إلى عدم جدوى مواصلة التفاوض، مع إدراك مسبق لاستخدام إيران وكلاءها في المنطقة.