بينما كانت الطائرات الأميركية تدك مواقع دقيقة لتنظيم داعش في شمال غرب نيجيريا أواخر ديسمبر الماضي، كان المشهد على بعد مئات الكيلومترات شمالاً، وتحديداً في صحراء مالي، ينذر بكارثة استراتيجية تجاوزت مرحلة "التمرد المسلح" إلى مرحلة "الدولة البديلة".
هذا التباين الصارخ بين "القدرة الأميركية" على الوصول لأهدافها، وبين "الفشل الأمني" المتفاقم للأنظمة العسكرية في الساحل -رغم استعانتها بروسيا- يطرح سيناريو كان مستبعداً قبل عام: هل تُجبر "الخلافة" الناشئة في مالي قادة الانقلابات على طرق أبواب واشنطن مجدداً؟
الرسالة النيجيرية: "نحن هنا.. ونراكم"
لم تكن الضربة التي نفذتها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا "أفريكوم" في نيجيريا مجرد عملية روتينية. فوفقاً لنائب قائد أفريكوم، الجنرال جون برينان، استهدفت العملية "نقاط انطلاق تستخدمها كافة الجماعات الإرهابية في الساحل"، بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة.
تصريحات برينان حملت رسالة سياسية مبطنة لجيران نيجيريا (مالي، النيجر، بوركينا فاسو): "ما زلنا نتعاون.. والوضع يختلف عما كان عليه".
وأكد الجنرال الأميركي أن واشنطن تسرع مبيعات السلاح لنيجيريا وتشاركها "معلومات استخباراتية شاملة" تشمل استطلاعاً جوياً.
هذه "المظلة الأميركية" التي تحمي أبوجا اليوم، تبدو باماكو في أمس الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
مالي 2026: استنساخ "النموذج الأفغاني"
البيانات الاستخباراتية الواردة من شمال ووسط مالي في فترة 2025-026) ترسم صورة قاتمة لانهيار سيطرة الدولة لصالح جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين".
لم يعد التنظيم يكتفي بحرب العصابات، بل انتقل إلى استراتيجية "التوطين"، مؤسساً ما يشبه "قندهار التسعينيات" في قلب الصحراء الكبرى.
وتشير تقارير الرصد الميداني إلى تحول خطير في البنية التحتية للتنظيم، تمثل في:
- معسكرات علنية: لأول مرة، تدير الجماعة معسكرات تدريب بأسماء قادتها التاريخيين، مثل "معسكر عبد الحميد أبو زيد" و"معسكر القائد عبد الحق" في كيدال، وتخرج دفعات مقاتلين نظاميين (يناير 2026).
- تسليح نوعي: التدريبات لم تعد تقتصر على الكلاشينكوف، بل شملت سلاح "المسيرات"، والتكتيكات العسكرية المعقدة في "معسكر إلياس الأنصاري".
- التمكين الجغرافي: التنظيم لم يعد مطارداً؛ بل أصبح هو السلطة الحاكمة التي تفرض الحصار على باماكو وتجبي الضرائب في الأرياف، مستغلاً الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الغربية ومحدودية تأثير الجيش المالي.
المأزق الروسي والعودة إلى "الواقعية"
أثبتت الوقائع الميدانية أن الرهان على "الحليف الروسي" (الفيلق الأفريقي/ فاغنر سابقاً) قد وفر حماية للنظام السياسي في باماكو، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في حماية "الجغرافيا المالية".
واكتفت العمليات العسكرية المالية-الروسية بضربات محدودة وغير مؤثرة بطائرات مسيرة، بينما تمدد الإرهاب ليبتلع مناطق نفوذ واسعة.
هذا الفشل الأمني، المقرون بحصار اقتصادي خانق على العاصمة، يضع المجالس العسكرية في المنطقة أمام خيار وجودي: إما التمسك بالقطيعة مع الغرب وانتظار سقوط العواصم بيد الجماعات المتطرفة التي باتت تملك جيوشاً مدربة، أو "تجرع السم" والقبول بصيغة تعاون أمني جديد مع الولايات المتحدة.
سيناريو "الحرب المشتركة" القادمة
تشير التحليلات إلى أن واشنطن، التي تخشى تحول مالي إلى منصة عالمية لتصدير الإرهاب نحو أوروبا وأميركا، قد تجد في "الخطر الوجودي" فرصة لترميم نفوذها في الساحل، ولكن بشروط جديدة:
- حرب بلا قواعد برية: لن تعود أميركا بقواعد عسكرية ضخمة (كما كان في النيجر سابقاً)، بل عبر نموذج "التعاون عن بعد"، كما يحدث حالياً مع نيجيريا: استخبارات دقيقة، وضربات جوية جراحية نوعية تستهدف معسكرات التدريب في كيدال وتمبكتو.
- الشرعية مقابل الأمن: قد تضطر الأنظمة العسكرية في الساحل لتقديم تنازلات سياسية أو تخفيف حدة خطابها المعادي للغرب، مقابل الحصول على الدعم الجوي الأميركي الذي تعجز روسيا عن توفيره تقنياً.
وأخيرا، مع تحول معسكرات مالي إلى "قبلة" للمقاتلين الأجانب وتطور قدراتها التسليحية، يبدو أن الولايات المتحدة ودول الساحل "المتمردة" تسيران في طريق إجباري نحو التقاء المصالح. فالولايات المتحدة لا تستطيع تحمل "أفغانستان جديدة" في إفريقيا، والأنظمة العسكرية لا تستطيع البقاء في الحكم طويلاً وهي محاصرة من "خلافة" تملك طائرات مسيرة وجيشاً نظامياً.