لم يكن التهديد الأميركي بحاملات الطائرات تطورا عسكريا مفاجئا، بل ذروة مسار تصعيدي بدأ داخل إيران، حين تحولت الاحتجاجات المعيشية إلى أزمة سياسية وأمنية، فتحت الباب أمام أخطر مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران.
هناك، حيث تراكم الغضب لسنوات تحت وطأة العقوبات والضغوط الاقتصادية، خرجت الاحتجاجات عن سياقها المعتاد، ورافقتها مشاهد عنف وقمع وسقوط قتلى، وانقطاع للاتصالات، ما أعطى انطباعا واضحا بأن النظام الإيراني يواجه تحديا داخليا حقيقيا.
بالنسبة لإيران، كان ضبط الداخل هو الأولوية، لكن بالنسبة لواشنطن، كان المشهد يُقرأ بطريقة مختلفة تماما، فإدارة دونالد ترامب، رأت في الاضطرابات فرصة لإعادة تفعيل سياسة "الضغط الأقصى"، ليس فقط عبر العقوبات، بل من خلال أدوات أكثر صراحة ووضوحا.
تغيّر الخطاب الأميركي جذريا، حيث تراجعت لغة التحذير التقليدي، وحلّت مكانها لغة "إشارات القوة" بشكل مباشر.
قال ترامب إن "القوة الضاربة" الأميركية في طريقها إلى الشرق الأوسط، إلا أن خبراء حللوا الخطوة على أنها وسيلة لرفع منسوب الضغط إلى أقصى حد ممكن، وإيصال رسالة مفادها أن الضعف الداخلي الإيراني لن يمر بلا استثمار سياسي.
بدأ المشهد العسكري يتبلور بعيدا عن التصريحات، تحركات أميركية فعلية دخلت حيّز التنفيذ، حاملة طائرات غادرت مسرح عمليات بعيد وشقّت طريقها نحو المنطقة.
على متنها مقاتلات من الجيل الخامس، قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، مدمرات متعددة المهام انضمت إلى التشكيل، مزودة بصواريخ قادرة على ضرب أهداف برية وبحرية وجوية في آن واحد.
إلى جانب ذلك، كانت هناك بالفعل قطع بحرية أميركية متمركزة في المنطقة، مسلحة بصواريخ توماهوك، تستطيع إصابة أهداف بعيدة.
في هذا السياق، لا تبدو المواجهة حتمية، لكنها أيضًا ليست مستبعدة، واشنطن تريد من خلال القوة أن تفاوض من موقع التفوق، وطهران تريد أن تمنع تحوّل الضغط إلى ضربة تُضعفها أمام شعبها وحلفائها. وبين هذين الهدفين، يبقى الإقليم كله معلقا على خيط رفيع.
حتى الآن، الفصل الأخير لم يُكتب، لكن ما هو واضح أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي أو ملف نووي، بل صراع إرادات، بدأ في الشارع الإيراني، ومرّ عبر الرسائل العسكرية، واستقر عند نقطة انتظار ثقيلة، حيث يدرك الجميع أن الخطأ هذه المرة لن يكون سهل التصحيح.