شكّل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الأميركية في 3 يناير 2026، ونقله إلى نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية تتعلق بالمخدرات، حدثاً مفصلياً يتجاوز كاراكاس إلى صلب معادلات طهران الأمنية في نصف الكرة الغربي.
العملية التي قالت واشنطن إنها استهدفت "قطع رأس" نظام متهم بجرائم عابرة للحدود، ترافقها منازعة دولية حادة بشأن مشروعيتها في الأمم المتحدة، وسط تحذيرات من "سابقة خطيرة" على قواعد السيادة وحصانة رؤساء الدول.
بالنسبة لإيران، لم تكن فنزويلا مجرد حليف سياسي؛ بل منصة لوجستية ومالية وعسكرية لتخفيف أثر العقوبات، وتوسيع نطاق الردع غير المتماثل في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة عبر تعاون دفاعي-تقني (خصوصاً الطائرات المسيّرة)، ومسارات طيران وشحن ظلت تحت رقابة أميركية متصاعدة.
ما يجعل الاعتقال ضربة مضاعفة هو تزامنه مع تصعيد أميركي سابق ضد شبكات تسليح إيران، بما في ذلك عقوبات أواخر ديسمبر 2025 التي استهدفت خط إنتاج المسيّرات بين طهران وكاراكاس.
- تفكك "الجناح الغربي" للردع الإيراني
على مدار العقدين الأخيرين، تطورت علاقة إيران فنزويلا من تقارب أيديولوجي إلى شراكة تشغيلية "طويلة النفس"، تُوِّجت بخطة تعاون لمدة 20 عاماً وُقّعت في 2022 وتضمنت مجالات حساسة تشمل الطاقة والدفاع.
هذه البنية الرسمية وفّرت غطاءً سيادياً لتعاون معقد يصعب اختزاله في العلاقات الدبلوماسية التقليدية.
اعتقال مادورو، بغض النظر عن مآلاته الداخلية في فنزويلا، يعني عملياً فقدان طهران "رافعة" كان يُراد لها أن تؤدي وظيفتين في آن
الأولى: إثبات القدرة على الوصول إلى محيط الولايات المتحدة الاستراتيجي.
الثانية: توفير مساحات للمناورة في وجه سياسة "الضغط الأقصى".
ويعزز ذلك ما نقلته تقارير عن أن الرئيس الأميركي أعلن نية "إدارة مؤقتة" أميركية للشأن الفنزويلي، ما يشي بنمط تدخل أكثر خشونة في قواعد الاشتباك.
- خسارة الغطاء.. واحتمال فتح "ملفات التشغيل" الإيرانية
أكبر مكمن خطر لطهران ليس سياسياً فقط، بل استخباراتي تشغيلي، أي انتقال الدولة الفنزويلية (أو جزء من أجهزتها) إلى وضع يسمح بتدقيق واسع في ملفات الدفاع والطيران والتهرب المالي.
حتى قبل اعتقال مادورو، كانت واشنطن تبني قضية ممنهجة بشأن الوجود الإيراني العسكري التقني في فنزويلا.
في 30 ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات تستهدف أفراداً وكيانات قالت إنها مرتبطة ببرنامج أسلحة "عدواني" وتعاون مسيّرات بين إيران وفنزويلا، ومن بينها شركة (EANSA) ورئيسها، مع تأكيدات رسمية بأن الشركة تنسّق إنتاج/تجميع مسيّرات في فنزويلا بالتعاون مع ممثلين من القوات المسلحة الإيرانية والفنزويلية.
وفي اليوم ذاته، أصدرت الخارجية الأميركية بياناً يصف نقل إيران أسلحة تقليدية إلى كاراكاس بأنه تهديد لمصالح الولايات المتحدة في الإقليم.
أما على مسار الطيران والشحن، فتبرز قضية طائرة الشحن بوينغ 747 المرتبطة بـ Emtrasur/Mahan Air كإشارة إلى نموذج عمل أميركي يقوم على "خنق العقد اللوجستية" عبر القانون والعقوبات والمصادرة.
وزارة العدل الأميركية أعلنت في فبراير 2024 إنفاذ أمر مصادرة نهائي لطائرة أميركية الصنع كانت مملوكة سابقاً لشركة "ماهان آير" الخاضعة للعقوبات، ووصفتها بأنها مرتبطة بالحرس الثوري/فيلق القدس.
وغطت وكالة "أسوشيتد برس" القضية باعتبارها انتهاكاً لقوانين الرقابة على الصادرات، في مؤشر على أن واشنطن ترى مسار الطيران هذا كجزء من بنية التفاف على القيود.
- تجفيف شرايين التمويل.. الذهب والنفط والعملات الرقمية
خلال سنوات العقوبات، اعتمد محور طهران كاراكاس على حلول دفع خارج النظام المصرفي التقليدي.
أحد أبرزها كان تبادل الوقود/المكثفات مقابل الذهب. ففي 2020 نقلت "رويترز" عن مصادر أن فنزويلا بدأت تدفع ثمن واردات بنزين إيراني بالذهب، بما في ذلك شحنات "بأطنان" من سبائك الذهب.
الآن، ومع تشديد أميركي واسع بعد الاعتقال، بما في ذلك حظر/إيقاف صادرات النفط الفنزويلية وفق تغطيات "رويترز"، تواجه كاراكاس أزمة تشغيل وتخزين تدفعها إلى خفض الإنتاج، وهو ما يضيق أي هامش لتكرار صفقات المقايضة أو "اقتصاد الظل"، الذي استفادت منه طهران.
إلى جانب ذلك، اتجهت فنزويلا في السنوات الأخيرة إلى تسويات مرتبطة بالعملات الرقمية لتسهيل تجارة النفط في ظل القيود، بما في ذلك اعتماد (PDVSA) بشكل متزايد على (USDT) وفق تقرير "رويترز" وتحليلات (Atlantic Council)، التي أشارت إلى اشتراط الدفع عبر محافظ رقمية لصفقات فورية، وذكر تقديرات لمبيعات كبيرة من العملات الرقمية في السوق المحلية.
أي تغيير جذري في منظومة الحكم/الرقابة أو في السيطرة على البنى التحتية والملفات المالية سيحول هذه الأدوات من "ممر" إلى "مسار قابل للتتبع" بصورة أكبر، وهو ما يرفع الكلفة على الوسطاء وشبكات الالتفاف المرتبطة بإيران.
- حزب الله.. من "الملاذات" إلى تشديد الخناق على شبكات التمويل والوثائق
وجود حزب الله ونشاطاته المالية في أميركا اللاتينية ظل موضوعاً ثابتاً في تقييمات مؤسسات أميركية وغربية، مع تركيز على التداخل بين غسل الأموال تجارة المخدرات والاحتيال التجاري خاصة في مناطق مثل "المثلث الحدودي"، وما حوله.
ويلفت تقرير (RAND) إلى أن المنطقة وفرت بيئة مواتية لأنماط تشمل تهريباً وغسل أموال وتزوير وثائق.
كما قدّم معهد واشنطن تقريرا بشأن اعتماد حزب الله على الشبكات الإجرامية في أميركا اللاتينية لتعويض أزمات التمويل.
من جانبها، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية أكتوبر 2024 تنبيهاً لمساعدة المؤسسات المالية على رصد أنماط تمويل حزب الله وشبكاته الإجرامية عبر الحدود.
كما أظهر سلوك وزارة الخزانة في السنوات الماضية استعدادها لاستهداف حلقات مرتبطة بغسل الأموال وتجارة المخدرات على صلة بحزب الله في أميركا اللاتينية.
وفي بعدٍ عملي يتصل بالهويات والسفر، ظل اسم غازي نصر الدين مطروحاً في مسارات التحقيقات الأميركية المتعلقة بتمويل حزب الله؛ إذ نشر مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2015 طلب معلومات عنه ضمن إطار تحقيقات مرتبطة بجمع الأموال لصالح الحزب.
وبالتالي، فإن أي "فتح واسع" لملفات الهويات والهجرة والسجلات المدنية، إذا حدث في مرحلة ما بعد مادورو، قد يسرّع عمليات مطابقة وتحليل بيانات تُستخدم لتعقب ميسّرين أو شبكات دعم.
ضربة في التوقيت الأسوأ.. ومسار تصعيد مفتوح
اعتقال مادورو لا يختصر في خسارة حليف بالنسبة لطهران، بل يهدد بتحويل فنزويلا من نقطة ارتكاز إلى نقطة انكشاف.
ملفات تعاون مسيّرات خضعت لعقوبات أمركية قبل أيام من الاعتقال، ومسارات طيران وشحن سبق أن جرى تفكيك جزء منها عبر المصادرة، وآليات دفع بديلة (ذهب/عملات رقمية) باتت تحت ضغط رقابي أكبر.
ويبقى عنصر عدم اليقين الأكبر مرتبطاً بمدى ما ستؤول إليه سلطة الدولة في كاراكاس، وحدود "الإدارة المؤقتة" التي تحدث عنها ترامب، وما إذا كان ذلك سيُترجم إلى وصول مُمنهج لأرشيفات أمنية/مالية حساسة أم سيظل في نطاق السيطرة السياسية-العسكرية المؤقتة.
لكن المؤكد أن الواقعة، بحسب النقاش في الأمم المتحدة، فتحت باباً جديداً لصراع قواعدي بشأن الشرعية والسيادة، وفي الوقت نفسه رفعت سقف المخاطرة أمام إيران ووكلائها في نصف الكرة الغربي.