بين حجارة قديمة أعيد جمعها من الركام، ومحال تجارية تحاول استعادة أبوابها بعد الدمار، يخوض تجار سوق الحبوب التاريخي وسط مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، معركة لإحياء واحد من أقدم الأسواق الشعبية في القطاع، واستعادة مهن توارثتها عائلاتهم جيلاً بعد جيل، رغم آثار الحرب ومخاوف العودة إلى منطقة لا تزال تعاني من تراجع الحركة التجارية ومحدودية مقومات الحياة.
وفي مشهد تختلط فيه ذاكرة المكان بآثار الدمار، يعمل مركز حفظ التراث الثقافي على إعادة بناء وتأهيل محال أثرية قديمة، مستخدما حجارتها الأصلية التي جرى انتشالها وتجميعها وتخزينها، في محاولة للحفاظ على الطابع التاريخي للسوق وإعادته إلى الحياة، بما يفتح أمام أصحابه فرصة لاستئناف أعمالهم ومصادر رزقهم.
بالنسبة إلى ناهض فيصل بربخ، لا يمثل السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل حكاية عائلية ممتدة لنحو 120 عاماً، بدأت مع جده، وانتقلت إلى والده، ثم إليه، وصولاً إلى أبنائه الذين يأمل أن يواصلوا حمل إرث العائلة.
ويقول بربخ، الذي أمضى نحو 40 عاماً في السوق، لسكاي نيوز عربية، إن علاقته بالمكان تعود إلى طفولته، وإن عائلته توارثت العمل فيه عبر أجيال متعاقبة، مؤكداً أن سوق الحبوب يعد من أقدم أسواق قطاع غزة، ويتميز بقربه من قلعة برقوق التاريخية.
ويتذكر أن السوق كان في الماضي مركزاً تجارياً حيوياً، تقصده القوافل القادمة من شبه جزيرة سيناء والنقب ومناطق أخرى، ولا سيما أيام الخميس، حين كانت تتجمع البضائع والتجار في ما عُرف بسوق الخميس، ليشكل محطة رئيسية للتبادل التجاري والحركة الاقتصادية في المدينة.
لكن الحرب الأخيرة، وفق بربخ، خلفت دمارا غير مسبوق مقارنة بالحروب السابقة التي شهدها السوق، بما فيها حروب عامي 1948 و1967 والانتفاضتان الأولى والثانية.
ويقول وهو يشير إلى المحال المدمرة: "هذه الحرب مصيبة وطامة كبرى"، مضيفاً أن السوق أصبح شبه مهجور، وأن التجار يحاولون العودة وإعمار محالهم تدريجياً، رغم ضعف الامكانات.
ولا تقتصر صعوبات العودة على حجم الدمار، إذ يوضح بربخ أن قرب المنطقة من "الخط الأصفر"، واستمرار إطلاق النار وتحليق الطائرات المسيّرة، يجعلان وصول الزبائن والتجار محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً مع تسجيل إصابات جراء إطلاق النار في المنطقة، حتى خلال ساعات الصباح.
ويشير إلى أن عودة بعض السكان من مناطق النزوح لم تنعكس بعد على الحركة التجارية، في ظل غياب كثير من مقومات الحياة وضعف قدرة الجهات المحلية على توفير احتياجات إعادة الإعمار.
وعلى مقربة منه، يجلس الطفل أحمد النجار (11 عاماً)، داخل محل عائلته، يقضي ساعات طويلة إلى جانب والده، في انتظار زبون قد لا يأتي.
ورغم صغر سنه، يدرك أحمد أن المحل الذي يجلس فيه يحمل تاريخاً عائلياً يمتد لأكثر من قرن، بعدما ورثه والده عن جده، الذي ورثه بدوره عن أجداده.
ويقول أحمد إن غياب الزبائن وضعف الحركة التجارية يدفعانه إلى البقاء مع والده في المحل، مضيفاً أن العائلة تضطر إلى مغادرته بعد غروب الشمس والعودة إلى منزل خالته الذي نزحت إليه خلال الحرب.
ولا يخفي الطفل خوفه من المخاطر المحيطة بالسوق، إذ يتحدث عن تحليق الطائرات المسيّرة وإطلاق النار في المنطقة، قائلاً إن بعض اللحظات تجعلهم يشعرون بأنهم "بين الحياة والموت"، لكنه يواصل الذهاب إلى المحل ومساعدة والده، متمسكاً بمهنة العائلة وإرثها القديم.
أما محمد عطا شعت البيوك، الذي يعمل في السوق منذ كان في الخامسة من عمره، فيحمل حكاية أخرى من حكايات المهن المتوارثة. فقد أمضى نحو 35 عاماً في تجارة اللحوم، بعد أن تعلم المهنة من والده، وعمل معه في بيع لحوم الأغنام والعجول.
ويقول البيوك، البالغ 40 عاماً، إن سوق الحبوب وسوق اللحوم المجاور كانا يستقبلان تجاراً ومشترين من مناطق مختلفة، بينها سيناء والنقب وبئر السبع والخليل، وكانا يعجان بالحركة والبضائع والزبائن.
لكن المشهد تغير كلياً بعد الحرب، إذ دُمرت محال تجارية ومنازل، وتوقفت أعماله بصورة شبه كاملة منذ نحو ثلاث سنوات، بفعل الدمار ومخاطر الاقتراب من الخط الأصفر، الذي يبعد نحو 300 متر عن السوق.
ويضيف أن ما شهده السوق من حروب سابقة لم يصل إلى مستوى الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة، التي طالت المحال والمنازل ومختلف مظاهر الحياة، معبراً عن أمله في أن تتوقف الحروب ويتمكن التجار من العودة إلى أعمالهم واستعادة حياتهم الطبيعية.
ترميم الذاكرة بالحجارة الأصلية
وفي مواجهة هذا الواقع، تتواصل جهود مركز حفظ التراث الثقافي لإعادة إحياء السوق، حيث يوضح ممثل المركز، المهندس منار الفرا، لسكاي نيوز عربية، أن أعمال التأهيل الحالية تمثل المرحلة الرابعة من مشروع الترميم، وتستهدف أربعة محال أثرية، جرى تدميرها وتسويتها بالكامل خلال الحرب.
ويبين الفرا أن المركز يعمل على إعادة بناء المحال وتسليمها إلى أصحابها، لتكون صالحة للاستخدامات التجارية التي كانت قائمة فيها قبل الحرب، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وإعادة الحياة إلى السوق التاريخي.
ويؤكد أن أعمال الترميم تعتمد على الحجارة الأصلية للمحال، بعدما جرى جمعها وفرزها وتخزينها، تمهيداً لإعادة استخدامها وفق خلطات ومعايير فنية متخصصة في حفظ التراث الثقافي، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية للمكان وعدم استبدال عناصره التاريخية بمواد حديثة تفقده طابعه الأصيل.
ويلفت الفرا إلى أن سوق الحبوب يمثل شاهداً تاريخياً على الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، بعدما تعاقبت عليه حقب زمنية مختلفة، وتطور خلالها ليصبح مركزاً تجارياً مهماً في خان يونس، مشيراً إلى أن استهدافه وتدميره لا يقتصر أثره على خسارة المباني، بل يمتد إلى الذاكرة الجماعية والهوية التاريخية للمدينة.