يشهد العالم تراجعا حادا في معدلات الإنجاب، إذ أصبحت معدلات الخصوبة في عدد متزايد من الدول أدنى بكثير من المستوى المطلوب للحفاظ على عدد السكان، والمحدد بنحو 2.1 طفل لكل امرأة، بحسب ما نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز.
ووفق مقال نشرته الصحيفة، لا يقتصر هذا الاتجاه على الدول الغنية، بل يظهر في مجتمعات وثقافات مختلفة، ما يدفع الباحثين إلى التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء "انهيار المواليد".
تكشف الصحيفة أن هناك أسباب تبدو واضحة، أبرزها ارتفاع تكاليف السكن وتربية الأطفال، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وتأخر الزواج وتكوين الأسرة، إضافة إلى تزايد عدد الشباب الذين لا يدخلون في علاقات عاطفية مستقرة.
كما أن بعض الأشخاص يشعرون بالقلق من المستقبل الاقتصادي والسياسي والبيئي، ويرون أن إنجاب طفل في عالم مضطرب قد يكون قرارا صعبا.
لكن هذه العوامل لا تفسر وحدها الظاهرة، بحسب المقال. فحتى المجتمعات التي توفر دعما ماليا ورعاية أطفال بأسعار أقل شهدت تراجعا في معدلات الخصوبة، كما أن الحوافز الحكومية لم تنجح في إعادة معدلات الإنجاب إلى مستوياتها السابقة في كثير من الحالات.
وبحسب الصحيفة، فإن أحد العوامل الأقل نقاشا هو تغير النظرة الاجتماعية إلى الإنجاب. فالأجيال الشابة أصبحت أقل تعرضا للضغط الاجتماعي لإنجاب الأطفال، كما أن الأبوة والأمومة لم تعد بالضرورة جزءا أساسيا من التصور السائد للحياة الناجحة.
وتشير بيانات أوردتها الصحيفة إلى أن نسبة الشباب الأميركيين الذين يعتبرون إنجاب الأطفال جزءا مهما من الحياة المزدهرة تراجعت من 61 بالمئة عام 1993 إلى 26 بالمئة حاليا.
ويربط المقال ذلك بما يسميه "العدوى الاجتماعية"، أي أن القرارات المتعلقة بالإنجاب يمكن أن تتأثر بسلوك الأشخاص المحيطين بنا. فعندما يكون إنجاب الأطفال شائعا بين الأصدقاء والأقارب، يصبح خيارا طبيعيا ومتوقعا، بينما يؤدي تزايد عدد الأشخاص الذين لا ينجبون إلى جعل عدم الإنجاب أكثر قبولا وانتشارا.
وقد يؤدي ذلك إلى حلقة متكررة، كلما قل عدد الأسر التي لديها أطفال، أصبح الأطفال أقل حضورا في الحياة اليومية، وقلت النماذج الاجتماعية التي يرى من خلالها الشباب تجربة الأبوة والأمومة، ما قد يجعل عدم الإنجاب خيارا أكثر طبيعية بالنسبة إلى الجيل التالي.
وتشير الصحيفة أيضا إلى أن تغير نمط الحياة لعب دورا مهما. فقد أصبح لدى الناس خيارات أكثر لقضاء وقتهم وتحقيق الإشباع الشخصي، خصوصا مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل والترفيه الرقمي. وفي الوقت نفسه، أصبحت العلاقات الاجتماعية وتكوين العلاقات العاطفية أكثر تعقيدا، ما يقلل عدد الأشخاص الذين يدخلون في علاقات مستقرة في سن مبكرة، وبالتالي يقل عدد من يصلون أصلا إلى مرحلة التفكير في إنجاب الأطفال.
ولا يعني ذلك أن العامل الاقتصادي غير مهم. فتكلفة الأطفال، وتكاليف السكن ورعاية الأطفال، والوقت الذي يتطلبه تربية الأبناء، كلها عوامل حقيقية. لكن المقال يرى أن المشكلة أعمق من مجرد عدم قدرة الناس على تحمل النفقات، لأن جزءا من التغيير يتعلق بما يريده الناس من حياتهم، وبما يعتبرونه ضروريا لتحقيق حياة جيدة.
وتؤكد الصحيفة أن عكس اتجاه انخفاض معدلات الإنجاب قد يتطلب أكثر من تقديم إعانات مالية أو تخفيض تكلفة رعاية الأطفال. فمعالجة المشكلة قد تحتاج أيضا إلى تغيير البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الآباء والأمهات، وجعل تربية الأطفال أكثر دعما ووضوحا وتقديرا، في وقت أصبحت فيه قلة الإنجاب نفسها معيارا اجتماعيا في العديد من المجتمعات.
وتحذر الصحيفة من أن انخفاض الخصوبة قد يتحول إلى ما يشبه "فخ الخصوبة المنخفضة"، فكلما استمر الانخفاض لفترة أطول، تغيرت المعايير الاجتماعية تبعا له، وأصبح من الصعب إعادة المجتمع إلى معدلات إنجاب أعلى.