على بعد بضعة أمتار من جادة الشانزليزيه، اختارت دنيا أن تفتح مطعمها بعد انتهاء قيود جائحة كورونا، مستفيدة من موقعه في قلب باريس ومن طلب متزايد على تجربة طعام حلال مختلفة.
مطعمها "أمازونيا" لا يقدم الوجبات السريعة أو أطباق المطاعم الشعبية التي ارتبط بها مفهوم الحلال في فرنسا لعقود، بل يقدم المطبخ الفرنسي بلمسات من نكهات أميركا اللاتينية، في أجواء راقية، ومن دون مشروبات كحولية.
وتقول دنيا إن فكرة المطعم انطلقت من وجود "طلب ملح على خيار حلال عالي الجودة"، مشيرة إلى أن موقعه قرب الشانزليزيه يساعده على استقطاب زبائن من دول الخليج والشرق الأوسط، إلى جانب زوار من أوروبا وآسيا وأميركا.
هنا، يبدو التحول واضحًا، فالحلال في باريس لم يعد محصورًا في مطاعم الأحياء والوجبات السريعة، بل بدأ يجد لنفسه مكانًا في سوق المطاعم الفاخرة.
من مطاعم الأحياء إلى قلب باريس
لعقود طويلة، ارتبط الطعام الحلال في فرنسا بالمطاعم الشعبية ومقاهي الأحياء والوجبات السريعة، باعتباره قبل كل شيء خيارًا يراعي المتطلبات الدينية للمستهلك المسلم.
لكن المشهد تغير تدريجيًا في السنوات الأخيرة، مع ظهور مطاعم تحاول تقديم تجربة مختلفة: أطباق فرنسية راقية، ديكور أنيق، خدمة متكاملة، وموقع في مناطق سياحية ومراكز المدن، مع الالتزام بمعايير الحلال.
في مطعم "أمازونيا"، لا تتوقف الفكرة عند تغيير مكونات الطبق لتصبح حلالًا، بل تمتد إلى محاولة تقديم تجربة باريسية كاملة.
تقول دنيا: "هدفنا هو تقديم تجربة باريسية أصيلة في أجواء أنيقة، مع مأكولات فرنسية راقية ممزوجة بنكهات أميركا اللاتينية"، مع ضمان أن يتمكن الزبائن الملتزمون بالشريعة الإسلامية من الاستمتاع بهذه التجربة. وبذلك، يتحول الحلال من شرط في الطعام إلى جزء من هوية تجربة المطعم بأكملها.
حين يحل الموكتيل مكان النبيذ
لا يقتصر التغيير على قائمة الطعام، ففي المطاعم الحلال الراقية، أصبح غياب الكحول لا يعني غياب المشروبات المصاحبة للتجربة الفاخرة. فبدل النبيذ والمشروبات الكحولية، تتجه هذه المطاعم إلى الموكتيلات، وهي مشروبات غير كحولية يجري إعدادها بعناية، إلى جانب خلاصات نباتية، وأنواع من الشاي، وعصائر مصفاة ومكونات أخرى مصممة لتكون جزءًا من تجربة الطعام.
وعلى صعيد المأكولات، تحاول بعض المطاعم تقديم نسخ حلال من أطباق مرتبطة بالمطبخ الفرنسي، مثل كبد الأوز والصلصات المركزة وصدر البط، إلى جانب أطباق مستوحاة من المطابخ الآسيوية واللاتينية والعربية.
والنتيجة هي صيغة جديدة تحاول الجمع بين الفخامة الباريسية ومتطلبات المستهلك المسلم.
صعود اجتماعي وجاذبية باريسية
يعكس هذا التحول في المشهد الفرنسي ديناميكية مزدوجة تتمثل أولا في اندماج النخب الفرنسية ذات الأصول المسلمة وانصهارها مع ثقافة فرنسا، بلدهم الأول بالنسبة للكثيرين منهم والبلد الثاني للبعض الآخر، مع تمسكها بمبادئها الدينية. بفضل جيل جديد من المسلمين المولودين في فرنسا، اضطرت السوق إلى التكيف. فهؤلاء مدراء تنفيذيون ورواد أعمال ومهنيون شباب يتمتعون بقوة شرائية معتبرة، ويرغبون في التوفيق بين هويتهم الثقافية والدينية وأسلوب حياة عصري وراقٍ. فبالنسبة لهم، يعد الذهاب إلى المطعم تجربة اجتماعية يجب أن تتوافق مع معايير الفخامة الباريسية.
كما يعكس أيضا جاذبية باريس لرؤوس الأموال والسياح من الدول العربية والمسلمة، خصوصا منطقة الخليج، وهو ما أدى إلى الانتشار السريع لهذه المطاعم المرموقة، حيث توفر لهم هذه المطاعم تجربة فرنسية مميزة في مستوى الخدمات التي يتمتعون بها في العديد من المدن الكبرى في مناطقهم. "يُعدّ اكتشاف المطبخ الفرنسي وأسلوب الحياة الفرنسي مع الاستمتاع بخيارات حلال ميزةً حقيقية” تقول دنيا، فزبائن مطعمنا مثلا "لا يأتون فقط من أجل الطعام الحلال، بل يبحثون أيضًا عن الأجواء والتجربة والمأكولات والموقع”.
الحلال لا يستقطب المسلمين فقط
إقبال المسلمين، سواء كانوا فرنسيين أو مقيمين أو زوارا، على مطاعم الحلال الراقية، لا يشكل إلا جزءا من المشهد، إذ تؤكد دنيا أن مطعم أمازونيا يشهد وجودا ملحوظا "للزبائن الفرنسيين غير المسلمين". هذا ينطبق على أغلبية مطاعم الحلال، وعلى استهلاك المنتجات الحلال بشكل عام. فوفقا لمعهد سوليس المتخصص، من بين 10 ملايين مستهلك منتظم للمنتجات الحلال في فرنسا، قرابة 3 ملايين ليسوا مسلمين. دافعهم لذلك هو البحث عن مصادر عالية الجودة بغض النظر عن الاعتبارات الدينية.
وتبقى السوق هي التي تفرض قواعدها حسب العرض والطلب، حيث يشهد قطاع المطاعم ذات الطابع الخاص (ومنها مطاعم الحلال)، حسب معهد سوليس، نموا سنويا ثابتا بنسبة 5%. وأكبر دليل على صعود نجم المطاعم الحلال ما شهدته سلسلة مطاعم "كويك" للوجبات السريعة من مضاعفة حجم مبيعاتها في غضون 3 سنوات (من 250 مليون يورو إلى 515 مليون يورو) بعد شروعها في تقديم الوجبات الحلال.
نمو واسع لسوق المنتجات الحلال في فرنسا
يعتبر انتشار رقعة الحلال في قطاع المطاعم الفخمة تطورا طبيعيا لما تشهده سوق الحلال بشكل عام من نمو ملحوظ خصوصا خلال العقد الأخير. يقدر حجم مبيعات المنتجات الحلال في فرنسا في عام 2025، حسب معهد سوليس، بين 7 و 12 مليار يورو، مقارنة بـ 5.5 مليار يورو في عام 2010، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 27٪ في غضون 15 عاما. ويشتري ما يقرب من 12 مليون أسرة فرنسية بانتظام منتجات حلال، والرقم في ازدياد مستمر.
وفي محلات التسوق الكبرى، قفزت مبيعات المنتجات الحلال بنسبة 14.7% خلال العامين الماضيين.
لا يعني هذا التحول أن المطاعم الحلال أصبحت مهيمنة على المشهد الفرنسي، لكنه يكشف عن تغير في موقعها داخل السوق. وهذا التحول يضع الحلال أمام سوق جديدة، لا تبيع الطعام فقط، وإنما تبيع أيضًا المكان والأجواء والخدمة والتجربة، لتصبح الفخامة نفسها جزءًا من معادلة الحلال في العاصمة الفرنسية.