في مشهد يعكس تحولا لافتا، يتوافد عشرات الأكراد السوريين إلى مراكز تسجيل داخل ملعب في مدينة القامشلي، لتقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية، بعد عقود من الحرمان القانوني، وفق ما أفادت به وكالة فرانس برس.
وينتظر فراس أحمد (49 عاما) دوره وسط حشود من المتقدمين، حاملا وثائق وصورا شخصية، في محاولة للحصول على حق طال انتظاره. ويقول: "الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى"، مشيرا إلى معاناته الطويلة من عدم القدرة على تسجيل أولاده أو تملك العقارات باسمه.
وبدأت هذه الخطوة بعد توجيهات من وزارة الداخلية السورية، حيث افتُتحت مراكز تسجيل في عدة مدن، بينها الحسكة والمالكية، إضافة إلى مناطق أخرى مثل حلب ودير الزور والرقة ودمشق، لاستقبال طلبات من فئة "مكتومي القيد" الذين يفتقرون إلى أي وثائق رسمية.
ويأتي ذلك تطبيقا لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير الماضي، نص على منح الجنسية للأكراد المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، إلى جانب إقرار حقوق ثقافية ولغوية، من بينها اعتبار اللغة الكردية "لغة وطنية".
ويُعد هذا القرار جزءا من تفاهمات أوسع أعقبت مناوشات بين القوات الحكومية والمقاتلين الأكراد، انتهت باتفاق يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة، تبعته خطوات ميدانية شملت انتشار قوات الأمن في مدن رئيسية وتسلم الدولة إدارة مرافق حيوية.
ورغم هذه التطورات، لا تزال آثار الحرمان من الجنسية حاضرة في حياة الكثيرين. وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، لفرانس برس إن أبناءها لم يتمكنوا من استكمال دراستهم أو السفر، مضيفة أن منزلها لا يزال غير مسجل باسمها.
ويعود أصل هذه الأزمة إلى إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة، جرد بموجبه نحو 20 بالمئة من الأكراد من الجنسية السورية، ما أدى إلى تهميش طويل الأمد شمل جوانب التعليم والعمل والتنقل.
وبحسب تقديرات محلية، يبلغ عدد "مكتومي القيد" في سوريا حاليا نحو 150 ألف شخص، ما يبرز حجم التحدي أمام السلطات في تسوية أوضاعهم القانونية.
وفي هذا السياق، دعا ناشطون السلطات إلى إبداء مرونة أكبر في تطبيق القرار، خصوصا بالنسبة للأكراد المقيمين خارج البلاد، الذين يواجهون صعوبات في العودة بسبب أوضاع اللجوء أو القيود المرتبطة بالسفر.
من جهتها، أكدت الحكومة السورية أن مراكز التسجيل ستبقى مفتوحة لمدة شهر قابل للتمديد، مشيرة إلى أن منح الجنسية يمثل "أهم تعويض" لهؤلاء بعد سنوات طويلة من الحرمان.
وبين الأمل والحذر، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مرحلة جديدة للأكراد في سوريا، تنهي عقودا من التهميش وتفتح الباب أمام اندماج أوسع في مؤسسات الدولة.