تفتح وزارة الأوقاف المصرية بابا جديدا أمام توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الدعوة، من خلال التوجه نحو إنتاج محتوى ديني بشخصيات افتراضية قادرة على مخاطبة الجمهور بالصوت والصورة، والوصول إلى ملايين المتابعين عبر المنصات الرقمية.
وتفتح التجربة الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الدعوة في العصر الرقمي، ومدى قدرة التكنولوجيا على مخاطبة الأجيال الجديدة ومواجهة التطرف، دون المساس بالثوابت الشرعية أو تجاوز دور العلماء والدعاة.
وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد افتتح مركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، مؤكدًا أهمية تطوير أدوات الخطاب الديني بالتعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية، بما يعزز قدرته على التواصل مع المجتمع المصري والعالم بمختلف ثقافاته.
تجديد الخطاب الديني.. لا تغيير الثوابت
وأكد مدير فريق الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف المصرية، محمود طعيمة، أن توظيف التكنولوجيا يأتي في إطار تجديد الخطاب الديني وليس تغييره، موضحًا أن التجديد يعني تطوير أساليب العرض والتواصل بما يتناسب مع العصر، مع الحفاظ على جوهر الدين والثوابت الشرعية.
وأوضح طعيمة في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن نجاح التجربة يقوم على ثلاثة محاور أساسية هي أصالة المضمون، ومعاصرة الوسيلة، وفاعلية التأثير، مشيرًا إلى أن اختلاف أنماط تلقي الجمهور للمعلومات، بين البصري والسمعي والحسي والحركي، يفرض تنويع أدوات تقديم المحتوى الديني.
وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتيح مخاطبة كل فئة بالأسلوب الذي يناسبها، بدلًا من الاعتماد على رسالة واحدة موجهة إلى جميع الجماهير.
محتوى ديني لمواجهة الفراغ الرقمي
وفيما يتعلق بمخاطبة الأطفال والشباب، أوضح طعيمة أن الوزارة تستهدف تقديم محتوى هادف يتناسب مع طبيعة استخدام الأجيال الجديدة للهواتف الذكية ومنصات التواصل وألعاب الفيديو.
وأشار إلى إطلاق برنامج "صنع الله"، الذي يتضمن 100 فيديو أعلن عنها وزير الأوقاف، ويستهدف تقديم محتوى تعليمي وتوعوي بأساليب مرئية جاذبة، لافتًا إلى عرض المواد عبر منصات الوزارة ومنتدى مصر 2026، وتحقيقها تفاعلا جماهيريا.
وتقوم الفكرة، بحسب طعيمة، على استثمار القوالب الرقمية التي تجذب الأطفال والشباب، ولكن بمضمون آمن وهادف، بما يوفر بديلا للمحتوى غير الموثوق الذي قد يتعرضون له عبر الإنترنت.
مراجعة رباعية لضمان سلامة المحتوى
وحول مخاوف وقوع أخطاء في النصوص الدينية نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي، أكد مدير الفريق أن الوزارة تعتمد منظومة مراجعة متعددة المراحل قبل نشر أي مادة.
وتبدأ العملية بتحديد الفكرة والقضية المراد تناولها، ثم إعداد النصوص والمشاهد بالتنسيق مع لجنة المراجعة الشرعية لاختيار الآيات والأحاديث المناسبة، قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وبعد إنتاج النسخة الأولية، تخضع المواد لأربع مراجعات متخصصة تشمل الجوانب اللغوية والفنية والعلمية والشرعية، مع إعادة العمل للتعديل إذا رُصد أي نقص في تخريج حديث أو عدم ملاءمة نص ديني للسياق.
وشدد طعيمة على أن المحتوى لا يُجاز للنشر إلا بعد استيفاء المراجعات المطلوبة، بما يحقق التوازن بين سرعة الإنتاج والمسؤولية العلمية والشرعية.
الداعية الافتراضي.. التكنولوجيا أصبحت قادرة على التفاعل
ومن الناحية التقنية، قالت أستاذة الذكاء الاصطناعي بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، رحاب الرحماوي، إن العالم تجاوز مرحلة الشخصيات الافتراضية التي تكتفي بقراءة النصوص أو تقديم فيديوهات مسجلة، مشيرة إلى إمكانية إنشاء شخصيات رقمية تفاعلية تستمع إلى أسئلة الجمهور وتجيب عنها لحظيًا.
وأوضحت، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن هذه الشخصيات تعتمد على دمج نماذج اللغة الكبيرة وتقنيات تحويل النص إلى كلام وتوليد الصور ومحركات الشخصيات الرقمية، بما يسمح بمحاكاة الحوار البشري والتفاعل مع المستخدمين.
لكن الرحماوي حذرت من الخلط بين القدرة على محاكاة شخصية دينية متمكنة وبين امتلاك العلم أو الأهلية الشرعية للإفتاء، مؤكدة أن المظهر الرقمي والقدرة على الإقناع لا يمثلان بديلًا عن التأهيل العلمي والمسؤولية الأخلاقية.
مساعد ديني ذكي.. ولكن تحت إشراف العلماء
وترى الرحماوي أن الاستخدام الأكثر مسؤولية للذكاء الاصطناعي في المجال الديني يتمثل في تطوير مساعد ذكي يستند إلى مصادر موثوقة، ويقدم المعلومات بصورة مبسطة مع الإحالة إلى مراجعها، تحت إشراف بشري متخصص.
وشددت على ضرورة إحالة المسائل الاجتهادية والفتاوى المرتبطة بظروف شخصية إلى العلماء المؤهلين، بدلًا من ترك الأنظمة الذكية تصدر إجابات آلية بشأنها.
كما أشارت إلى إمكانية تطوير شخصيات افتراضية تعليمية تستهدف الأطفال والشباب، لتقديم المفاهيم والقيم الدينية بأساليب تفاعلية، مع الإفصاح بوضوح عن طبيعتها الاصطناعية.
هل ينافس الداعية الافتراضي الإمام البشري؟
رغم الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا، أكدت الرحماوي أن الذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة أسلوب الداعية في الحديث والتفاعل، لكنه لا يمتلك التجربة الإنسانية أو المسؤولية العلمية والأخلاقية التي يتحملها العالم المتخصص.
وبينما تراهن وزارة الأوقاف على التكنولوجيا لتوسيع انتشار المحتوى الديني المصري ونقل التجربة إلى مؤسسات أخرى داخل مصر وخارجها، يبقى التحدي الأساسي في ضمان ألا تتحول الشخصيات الافتراضية إلى مصادر مستقلة للفتوى أو المعرفة الدينية دون رقابة.