لم تعد قدرة ألكسندر "آفي" ديفيدسون على الإمساك بيد زوجته مجرد حركة تؤديها آلة. فمع ضغط أصابع الذراع الإلكترونية على يدها، ترسل مستشعراتها إشارات إلى أعصابه، ليترجمها الدماغ إلى إحساس باللمس افتقده منذ بتر ذراعه قبل 17 عاما.
هذه اللحظة الإنسانية تختصر تجربة علمية انتقلت للمرة الأولى من مختبرات جامعة يوتا الأميركية إلى منزل المستخدم، حيث بدأ ديفيدسون اختبار ذراع "لوك" الإلكترونية في أنشطة حياته اليومية من دون إشراف مباشر من المهندسين والباحثين.
من المختبر إلى المنزل
أعلنت جامعة يوتا بدء أول تجربة منزلية للذراع الإلكترونية المتصلة بالأعصاب، في خطوة تهدف إلى معرفة ما إذا كانت التقنية قادرة على العمل خارج البيئة المنظمة للمختبر، وما إذا كان المستخدم سيرغب في الاعتماد عليها لمدة طويلة.
وسيستخدم ديفيدسون الذراع داخل منزله لمدة عام، مع احتمال تمديد التجربة. ويجمع الباحثون خلال هذه الفترة معلومات عن قدرتها على تنفيذ المهام اليومية، وسهولة تشغيلها، وجودة الإحساس الذي توفره، ومدى قدرتها على تحسين حياة الأشخاص الذين فقدوا أطرافهم.
وكان المشاركون السابقون يستخدمون الذراع تحت إشراف مهندسين وأطباء داخل حرم الجامعة. أما النسخة الحالية فتسمح بالاستخدام المستقل، بفضل تطوير البرمجيات وأنظمة التحكم وزيادة دقة الحركة والاستجابة الحسية.
كيف تتحرك الذراع؟
تعتمد التقنية على واجهة عصبية مباشرة تحمل اسم "بيوس كونترولر"، وتتصل بالأعصاب والعضلات المتبقية في ذراع المستخدم.
وعندما ينوي ديفيدسون تحريك يده المفقودة، تلتقط الواجهة الإشارات العصبية المرتبطة بالحركة وتحولها إلى أوامر تنفذها الذراع الإلكترونية.
ولا تقرأ التقنية الأفكار بمعناها الواسع، بل تلتقط الإشارات التي يرسلها الجهاز العصبي لتنفيذ حركة محددة. ولهذا يستطيع ديفيدسون تحريك الذراع وفتح الأصابع وإغلاقها والتحكم في قوة الإمساك بطريقة أقرب إلى الحركة الطبيعية.
وتعمل العملية في الاتجاه المعاكس أيضا. فعندما تلامس الأصابع الإلكترونية جسما ما، ترسل مستشعراتها معلومات إلى الأعصاب، ومنها إلى الدماغ الذي يفسرها على شكل إحساس بالضغط واللمس.
يد تكتب وتصنع الطعام
خلال أيام من استخدام الذراع، تمكن ديفيدسون من أداء مهام تشمل الكتابة ولعب الورق وإعداد شطيرة والتعامل مع أدوات صغيرة. لكن التجربة الأكثر تأثيرا بالنسبة إليه كانت الإمساك بيد زوجته ومعرفة مقدار الضغط الذي يستخدمه.
وقال ديفيدسون إن استعادة الإحساس في يده التي كانت مهيمنة قبل الحادث غيرت حياته، موضحا أنه لم يتخيل أن يشعر بأي جزء منها مرة أخرى أو أن يبدو الإحساس بهذه الدرجة من الواقعية.
وكان ديفيدسون قد فقد ذراعه اليسرى أسفل المرفق في سن السادسة عشرة، بعد سقوطه من ارتفاع نحو 35 قدما، كما تسبب الحادث في إصابته بالشلل من الخصر إلى الأسفل.
وجرب خلال السنوات التالية أطرافا إلكترونية أخرى، لكنه يقول إن ذراع "لوك" توفر نطاق حركة وتحكما دقيقا واستجابة حسية لم يجدها في الأجهزة السابقة.
تقنية واعدة لا تزال تجريبية
طور باحثو جامعة يوتا نظام الذراع العصبية اعتمادا على ذراع إلكترونية متقدمة صنعتها شركة "ديكا". وأضيفت إليها الواجهة العصبية التي تسمح بتبادل الإشارات بين الطرف والجهاز العصبي، لتتحول من ذراع آلية إلى طرف عصبي إلكتروني.
وحصلت الواجهة على تصنيف "جهاز متطور" من إدارة الغذاء والدواء الأميركية عام 2024، وهو مسار يهدف إلى تسريع تقييم التقنيات الطبية الواعدة. لكن الذراع لا تزال جزءا من تجربة سريرية مبكرة، وليست متاحة للاستخدام التجاري العام.
ولهذا لا تعني تجربة ديفيدسون أن التقنية أصبحت جاهزة لجميع فاقدي الأطراف. فالاختبار يشمل مستخدما واحدا في مرحلته الحالية، وستحدد المتابعة المنزلية مدى أمان النظام وثباته وفائدته على المدى الطويل.
ومع ذلك، تمثل التجربة خطوة مهمة في مسار الأطراف الإلكترونية: فلم يعد الهدف تحريك يد صناعية فقط، بل إعادة جزء من العلاقة المفقودة بين الجسد والدماغ، حتى يشعر المستخدم بما تلمسه أصابعه من جديد.