قد تبدو عبارة "سأموت من الفرحة" مجرد تعبير مبالغ فيه عن السعادة، لكن حالات طبية نادرة تكشف أن الانفعال الناتج عن الأخبار المفرحة قد يترك بالفعل تأثيراً مفاجئاً على القلب، بأعراض تشبه إلى حد كبير الجلطة القلبية.
هذا ما حدث لسيدة بريطانية كانت تعيش واحدة من أسعد لحظات حياتها خلال حفل زفاف ابنتها، قبل أن تشعر فجأة بألم قوي في الصدر وضيق في التنفس، ما استدعى نقلها إلى المستشفى للاشتباه في إصابتها بجلطة قلبية.
لكن الفحوص الطبية كشفت عدم وجود انسداد في شرايين القلب، ليأتي التشخيص على نحو مختلف: "متلازمة تاكوتسوبو"، وهي حالة يحدث فيها ضعف مؤقت في عضلة القلب بعد انفعال عاطفي شديد.
وتُعرف غالباً باسم "متلازمة القلب المنكسر" لارتباطها بالحزن الشديد أو فقدان شخص عزيز، إلا أنها قد تظهر، في حالات نادرة جداً، بعد فرحة كبيرة ومفاجئة، وعندها توصف بـ"متلازمة القلب السعيد".
وفي حديثه لسكاي نيوز عربية، أوضح استشاري أمراض القلب الدكتور محمد أندرون أن اكتشاف متلازمة القلب المنكسر بدأ مع استقبال مرضى يعانون أعراضاً مشابهة للجلطة القلبية، لكن فحوص القسطرة أظهرت أن شرايينهم طبيعية، رغم وجود ضعف في عضلة القلب.
وأضاف أن الأطباء لاحظوا ارتباط هذه الحالات بتعرض المرضى لحزن شديد، قبل أن تظهر لاحقاً حالات نادرة مرتبطة بانفعالات معاكسة تماماً، قائلاً إن "الفرح الشديد يؤدي إلى أعراض مشابهة تماماً لمتلازمة القلب المنكسر"، من بينها ضيق التنفس والألم الشديد في الصدر وتغيرات في تخطيط القلب تشبه الجلطة.
لماذا يرهق الفرح القلب؟
بحسب أندرون، لا تزال الأسباب الدقيقة للمتلازمة غير محسومة علمياً، كما أن ندرة الحالات المرتبطة بالفرح تجعل الدراسات بشأنها محدودة، إلا أن أحد التفسيرات المطروحة يتعلق بالارتفاع الكبير والمفاجئ في هرمونات التوتر.
وأوضح أن الفرح في الظروف الطبيعية يرتبط بإفراز هرمونات السعادة، مثل الدوبامين، وهي ذات تأثيرات إيجابية، لكن الانفعال الشديد جداً قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى ارتفاع هرمونات "الكاتيكولامين"، ومن بينها الأدرينالين.
وقال أندرون إن ارتفاع الأدرينالين بمستويات كبيرة قد يرفع ضغط الدم ويسبب تقبضاً في الشرايين والشعيرات الدموية الصغيرة المغذية للقلب، ما قد يؤدي إلى "ضعف مفاجئ في عضلة القلب".
وتظهر عندها أعراض تتمثل في ألم الصدر وضيق التنفس، إلى جانب تغيرات في تخطيط القلب "مشابهة للجلطة القلبية تماماً"، وفق أندرون.
كيف نفرق بينها وبين الجلطة؟
المشكلة أن المصاب لا يستطيع معرفة ما إذا كان الألم ناجماً عن متلازمة القلب السعيد أو عن جلطة قلبية تقليدية، ولذلك يشدد أندرون على ضرورة عدم تجاهل الأعراض.
وقال: "إذا ظهرت على الشخص هذه الأعراض، فعليه التوجه إلى المستشفى، لأنها قد تكون ناتجة عن جلطة قلبية، أو انسداد في الشرايين"، موضحاً أن تشخيص المتلازمة يتم بعد استبعاد الأسباب الرئيسية لألم الصدر، وفي مقدمتها انسداد الشرايين، من خلال الفحوص الطبية والقسطرة القلبية.
ولا تشترط الإصابة وجود مرض قلبي سابق، إذ أكد أندرون أن المتلازمة يمكن أن تصيب شخصاً رياضياً وسليماً، وأن المصابين بها قد تكون شرايينهم سليمة تماماً.
كما أشار إلى أن المتلازمة، سواء ارتبطت بالحزن أو الفرح، تصيب النساء أكثر من الرجال، خصوصاً في الأعمار المحيطة بسن انقطاع الطمث.
وفي معظم الحالات يكون ضعف عضلة القلب مؤقتاً، وقد يستمر شهراً أو شهرين قبل أن تتحسن العضلة، إلا أن أندرون حذر من أن بعض الحالات النادرة قد تشهد خلال فترة الضعف اضطرابات في نظم القلب، وقد يصل الأمر إلى الموت المفاجئ.
كما أشار إلى إمكانية تكرار المتلازمة، موضحاً أن من أصيب بها مرة يكون أكثر عرضة للإصابة بها مجدداً، وقد تصل نسبة التكرار، بحسب ما ذكر، إلى ما بين 10 و20 بالمئة.
هل علينا أن نخشى الفرح؟
رغم ذلك، يشدد أندرون على أن الرسالة ليست الخوف من السعادة أو الضحك، بل التعامل بجدية مع أي أعراض قلبية مفاجئة. فالضحك والفرح الطبيعيان يرتبطان، بحسب أندرون، بإفراز هرمونات مثل الدوبامين والأوكسيتوسين والإندورفين، التي تساعد على تحسين أداء الجسم وعضلة القلب وقد تسهم في خفض ضغط الدم.
وقال إن "الفرح العادي المعتدل أو السعادة والإيجابية جيدة جداً"، مشيراً إلى أن المشكلة ترتبط بالحالات النادرة التي يصل فيها الانفعال إلى مستوى شديد للغاية.
وبذلك، فإن الخبر السعيد لا يمثل خطراً على القلب في الظروف الطبيعية، لكن الانفعال العاطفي الاستثنائي قد يصبح لدى فئة محدودة عبئاً مؤقتاً على عضلة القلب. وتبقى القاعدة الأهم، وفق أندرون، أن ألم الصدر المفاجئ وضيق التنفس لا ينبغي الاستهانة بهما، سواء جاءا في لحظة حزن شديد أو في أسعد لحظات الحياة.