لم يعد الجدل الدائر حول مادة "جابابنتين" في مصر مقتصرا على الأوساط الطبية، بل امتد إلى ساحات القضاء والجهات التنظيمية، بعدما أعاد قرار محكمة القضاء الإداري تأجيل نظر دعوى تنظيم تداول المادة الفعالة إلى ديسمبر المقبل، تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات الدوائية حساسية خلال الفترة الأخيرة.
ويمثل العقار خيارا علاجيا مهما لآلاف المرضى المصابين بآلام الأعصاب والصرع والانزلاق الغضروفي، لكنه في الوقت ذاته بات يثير مخاوف متزايدة بسبب تنامي حالات إساءة استخدامه خارج الإشراف الطبي، وما يرتبط بذلك من مخاطر صحية ونفسية قد تصل إلى الإدمان.
ويطرح هذا الجدل تساؤلات بشأن كيفية تحقيق التوازن بين ضمان حصول المرضى على علاج فعال، ومنع تحول الدواء إلى وسيلة للحصول على تأثيرات نفسية تدفع البعض إلى إساءة استخدامه.
ومع تزايد التحذيرات الصادرة عن المتخصصين في علاج الإدمان، برزت الحاجة إلى مراجعة آليات تداول الأدوية المحتوية على مادة "جابابنتين"، خاصة بعد رصد حالات اعتمد فيها متعاطون على الدواء بجرعات مرتفعة بحثًا عن الشعور بالاسترخاء أو التخدير.
تحرك حكومي
أصدرت هيئة الدواء المصرية دليلا تنظيميا جديدا لتشديد الرقابة على استيراد وتداول وصرف المستحضرات التي قد يساء استخدامها، وذلك عقب تحذيرات وزارة الصحة من تناول بعض الأدوية النفسية والعصبية من دون إشراف طبي.
وألزمت الهيئة الشركات بالحصول على خطط استيراد وإنتاج معتمدة مسبقا، وربطت الكميات المسموح بها بالاستهلاك الفعلي والمخزون، كما حظرت التوريد المباشر إلى الصيدليات أو المخازن غير المعتمدة.
وشدد الدليل على التزام المخازن والصيدليات بتسجيل حركة الأصناف، والاحتفاظ بالفواتير، والإبلاغ عن أي مخالفات أو فقد في المخزون، مع قصر صرف هذه الأدوية على وصفات طبية صحيحة، وبكميات لا تتجاوز احتياج شهر واحد.
كما تضمن الدليل عقوبات تصاعدية تبدأ بإنذار رسمي، ثم وقف التوريد أو التداول لمدة 3 أشهر، وقد تصل إلى ستة أشهر، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند تكرار المخالفات.
مخاطر الاستخدام الخاطئ
وفي هذا السياق، قال جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بجامعة القاهرة، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن مادة "جابابنتين" ومشتقاتها تعد من الأدوية ذات القيمة العلاجية الكبيرة، إذ تدخل في بروتوكولات علاج آلام الأعصاب المزمنة والاعتلالات العصبية الناتجة عن مرض السكري والانزلاق الغضروفي، إلى جانب استخدامها في بعض حالات الصرع، مؤكدًا أن المشكلة لا ترتبط بفاعلية الدواء، وإنما باستخدامه خارج الإطار الطبي.
وأوضح فرويز أن بعض الأشخاص يتناولون العقار من دون حاجة علاجية أو بوصفات غير معتمدة، مستغلين تأثيره المهدئ على الجهاز العصبي، وهو ما يمنحهم في البداية شعورا بالاسترخاء أو الانفصال المؤقت عن الضغوط، إلا أن هذا التأثير لا يستمر طويلًا، ما يدفعهم إلى زيادة الجرعات تدريجيًا للوصول إلى الإحساس نفسه، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الاعتماد النفسي والجسدي.
وأضاف أن إساءة استخدام "جابابنتين" لا تقتصر على الإدمان، بل قد تمتد إلى مضاعفات عصبية ونفسية خطيرة، تشمل ضعف التركيز والذاكرة، واضطراب الإدراك، وتقلبات حادة في الحالة المزاجية، فضلًا عن احتمالية ظهور أعراض ذهانية، مثل الهلاوس لدى بعض الحالات، مشيرًا إلى أن الجرعات المرتفعة ولفترات طويلة قد تؤثر أيضًا في وظائف بعض الأعضاء الحيوية، ما يستدعي متابعة طبية دقيقة.
وأشار إلى أن أخطر ما يميز هذا العقار هو الاعتقاد الخاطئ لدى البعض بأنه "دواء آمن" لأنه ليس من المخدرات التقليدية، بينما الواقع أن إساءة استخدامه قد تقود إلى إدمان حقيقي، خاصة عند تناوله مع أدوية مهدئة أخرى أو مع مواد مخدرة، وهو ما يضاعف تأثيره على الجهاز العصبي ويرفع احتمالات التعرض لمضاعفات قد تهدد حياة المتعاطي.
ولفت فرويز إلى أن تشديد الرقابة على تداول "جابابنتين" لا يعني التضييق على المرضى، وإنما يهدف إلى ضمان وصول العلاج إلى مستحقيه فقط، ومنع تسربه إلى الاستخدام غير المشروع، مؤكدا أن أي تنظيم لعملية الصرف يجب أن يحقق التوازن بين حماية المرضى الذين يعتمدون على الدواء ضمن خطط علاجية معتمدة، والحد من إساءة استخدامه التي شهدت تزايدًا خلال السنوات الأخيرة.
خبرات ميدانية
من جانبه، أكد محمود عيد، أحد المعالجين بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، في تصريحات خاصة لموقع سكاي نيوز عربية، أن إساءة استخدام مادة "جابابنتين" ومشتقاتها أصبحت من الظواهر المتكررة داخل مراكز العلاج خلال السنوات الأخيرة، خاصة بين أشخاص بدأوا بتناولها لأغراض علاجية ثم انزلقوا تدريجيًا إلى الاعتماد عليها، أو بين متعاطين استخدموها لتعزيز تأثير مواد مخدرة أخرى أو لتخفيف أعراض الانسحاب.
وأوضح أن كثيرًا من المرضى لا يدركون في البداية أنهم يسيرون نحو الإدمان، لأن العقار يُصنف أساسًا دواءً لعلاج أمراض عصبية وليس مادة مخدرة، إلا أن تجاوز الجرعات الموصوفة أو تناوله من دون إشراف طبي قد يؤدي إلى اعتماد نفسي وجسدي يصعب التخلص منه.
وأشار إلى أن خطة العلاج لا تقتصر على سحب الدواء من الجسم، بل تشمل أيضًا التأهيل النفسي والسلوكي لمعالجة الأسباب التي دفعت المريض إلى إساءة استخدامه، مع متابعة مستمرة لمنع الانتكاسة، مؤكدًا أن التدخل المبكر والالتزام بالعلاج يرفعان بشكل كبير فرص التعافي والعودة إلى الحياة الطبيعية.