مع عودة الجدل بشأن ما يعرف بـ"نظام الطيبات الغذائي"، تتصاعد تحذيرات الخبراء والإخصائيين من مخاطر اتباع هذا النظام دون أسس علمية أو إشراف طبي متخصص، في ظل انتشاره الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي وترويجه باعتباره وسيلة لتحسين الصحة وعلاج العديد من المشكلات المرضية.
ويشير مختصون إلى أن نظام الطيبات يفتقر إلى الأدلة العلمية الكافية، ويقدم وعودا علاجية مبالغا فيها، كما يدعو في بعض الأحيان إلى إيقاف الأدوية دون إشراف طبي، فضلا عن أنه لا يناسب جميع الفئات، خصوصا الحوامل والأطفال وكبار السن، ويشجع ممارسات صحية قد تكون خطرة من خلال تصنيف الأطعمة بشكل مطلق إلى "طيب" و"خبيث"، والدعوة إلى تقييد مجموعات غذائية مهمة مثل البقوليات والخضروات.
وفي حديثها إلى "سكاي نيوز عربية"، أوضحت خبيرة التغذية العلاجية حنين السالم أن نظام الطيبات ليس ظاهرة جديدة، بل بدأ تداوله قبل سنوات، إلا أن حضوره تصاعد بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.
وقالت السالم إن النظام "انتشر بشكل واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، مشيرة إلى أن جانبا من شعبيته يعود إلى طبيعته المثيرة للجدل، فضلا عن سماحه بتناول أطعمة يفضلها كثير من الناس، مثل الحلويات والوجبات الخفيفة والسكريات.
وأضافت أن الجمهور غالباً ما ينجذب إلى الأفكار الجديدة والمخالفة لما هو شائع، لافتة إلى أن النظام يقدم طرحا مغايرا للتوصيات الغذائية المتعارف عليها، إذ يشجع على تناول أطعمة لطالما اعتبرت ضارة أو ينبغي الحد منها، في حين يدعو إلى تجنب بعض الأغذية التي تعد جزءا أساسيا من الأنظمة الغذائية الصحية.
ورغم أن صاحب النظام طبيب، شددت السالم على ضرورة إخضاع أي نظرية أو منهج غذائي للبحث العلمي والدراسات الموثقة قبل اعتماده أو الترويج له. وقالت إن كل نظرية "تبقى خاضعة للاختبار العلمي وللمراجعة المستمرة في ضوء الأدلة المتاحة".
وأشارت إلى أن من أبرز الإشكاليات المرتبطة بنظام الطيبات تقسيمه الأطعمة إلى فئتين مطلقتين: "طيبة" و"خبيثة"، إلى جانب دعوته إلى استبعاد مجموعات غذائية كاملة، مثل بعض منتجات الألبان والبقوليات وأنواع من الخضروات.
وحذرت من أن تطبيق هذه التوصيات بصورة عامة ومن دون تقييم طبي فردي قد يؤدي إلى مشكلات صحية، لا سيما لدى الأطفال والحوامل وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
وأكدت السالم أن تعميم نظام غذائي واحد على جميع الأشخاص يعد ممارسة غير علمية، موضحة أن احتياجات الأفراد الغذائية تختلف تبعا لأعمارهم وحالاتهم الصحية وظروفهم المرضية.
وقالت: "لا يمكن الحكم على أي نظام غذائي أو تبنيه استنادا إلى التجارب الشخصية فقط، بل يجب أن يكون مدعوما بأدلة علمية واضحة"، مضيفة أن بعض الأفكار التي يتضمنها النظام قد تتوافق مع ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، في حين تتعارض أفكار أخرى مع المعطيات الطبية الراهنة.
وأوضحت أن بعض المبادئ التي يستند إليها النظام، مثل تقليل بعض الأطعمة أو تجنبها، تُستخدم بالفعل في ممارسات غذائية معروفة، لكنها تكون مخصصة لحالات محددة وتحت إشراف المختصين.
وضربت مثالا بما يعرف بحمية "فودماب"، التي تستخدم مع بعض المرضى الذين يعانون اضطرابات هضمية معينة، مؤكدة أن هذه الحمية لا تطبق على عامة الناس، وإنما تحدد وفقاً للحالة الصحية لكل مريض.
وفيما يتعلق بمنتجات الحليب، أوضحت السالم أن بعض الأشخاص قد يشعرون بتحسن عند التوقف عن تناولها بسبب معاناتهم من نقص إنزيم اللاكتاز المسؤول عن هضم سكر الحليب، إلا أن ذلك لا يعني أن الحليب ضار لجميع الناس.
وأضافت أن التحسن الذي قد يلاحظه بعض الأفراد بعد الامتناع عن نوع معين من الأغذية لا يبرر تعميم التجربة على الآخرين، لأن أسباب الأعراض الصحية تختلف من شخص إلى آخر.
كما شددت على أن التعامل مع الأمراض والحساسيات الغذائية يجب أن يكون فرديا، موضحة أن حتى المرضى الذين يعانون من مشكلات متشابهة قد يحتاجون إلى خطط غذائية مختلفة تبعاً لطبيعة حالتهم ومدى شدتها.
وقالت إن "العلم لا يعترف بوجود نظام واحد يناسب الجميع"، مؤكدة أن المبدأ الأساسي في التغذية العلاجية هو تصميم البرامج الغذائية وفقاً لاحتياجات كل حالة على حدة.
وفيما يتعلق بالادعاءات المتداولة بشأن قدرة نظام الطيبات على علاج الأمراض، نفت السالم وجود أدلة علمية تثبت ذلك، مؤكدة أن التحسن المؤقت لبعض الأعراض لا يمكن اعتباره دليلا على فعالية علاجية حقيقية.
وأوضحت أن كثيرا من الأشخاص قد يشعرون بتحسن قصير الأمد عند الامتناع عن أطعمة معينة تسبب لهم الانزعاج، إلا أن الحكم على أي نظام غذائي يجب أن يستند إلى نتائجه وتأثيراته على المدى البعيد.
وختمت السالم حديثها بالتأكيد على أهمية الاعتماد على المصادر العلمية الموثوقة واستشارة المختصين قبل إجراء أي تغييرات جذرية في النظام الغذائي، محذرة من الانسياق وراء التوصيات العامة أو التجارب الفردية التي قد لا تناسب جميع الأشخاص، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى أضرار صحية غير متوقعة.