مع اتساع قيود الاتصال في إيران، عاد الاهتمام بتطبيقات الاتصال اللامركزي التي تعمل خارج الشبكات التقليدية، بوصفها بديلا اضطراريا حين تُحجب خدمات الإنترنت والهواتف أو تُقيد بشدة.
ففي يناير 2026 قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت على نطاق واسع مع تصاعد الاحتجاجات، وقالت رويترز إن الإجراء استهدف كبح الاضطرابات، فيما أكدت هيومن رايتس ووتش لاحقا أن البلاد شهدت أيضًا في 28 فبراير 2026 انقطاعا شبه كامل للاتصال، مع هبوط حركة الإنترنت بنسبة 98 بالمئة وفق بيانات استشهدت بها المنظمة.
شبكات Mesh
في مثل هذه الظروف تبرز شبكات Mesh، وهي بنية اتصال تعتمد على الربط المباشر peer-to-peer بين الأجهزة القريبة عبر Bluetooth أو Wi-Fi، بحيث تنتقل الرسالة من هاتف إلى آخر على شكل "قفزات" من دون الحاجة إلى خادم مركزي أو تغطية خلوية تقليدية.
وتوضح دراسة لمؤسسة كارنيغي أن هذا النوع من الشبكات يعد من الخيارات الرقمية القليلة المتاحة أثناء الإغلاق الكامل للإنترنت، مشيرة إلى أن نشطاء هونغ كونغ اعتمدوا بكثافة على تطبيقات من هذا النوع، مثل Bridgefy، خلال احتجاجات 2019–2020.
كما ذكرت رويترز أن المحتجين في هونغ كونغ اتجهوا بالفعل إلى تطبيقات قائمة على التقنية نفسها، وأن Bridgefy قفز استخدامه أيضا في ميانمار بعد انقلاب 2021.
ومن بين أبرز هذه التطبيقات Briar، وهو تطبيق مفتوح المصدر مصمم أصلا للناشطين والصحفيين ومن يحتاجون اتصالا أكثر مقاومة للرقابة.
ووفق الموقع الرسمي للمشروع، لا يعتمد Briar على خادم مركزي، بل يزامن الرسائل مباشرة بين أجهزة المستخدمين، ويمكنه العمل عبر Bluetooth وWi-Fi وحتى بطاقات الذاكرة عند انقطاع الإنترنت، بينما يستخدم شبكة Tor عندما تكون الشبكة متاحة. ويؤكد المشروع أن الاتصالات بين الأجهزة مشفرة طرفا لطرف، وأن قائمة جهات الاتصال تبقى مشفرة على جهاز المستخدم نفسه. كما يوضح دليل الاستخدام أن إنشاء الحساب يتم محليا على الجهاز، وأن إضافة جهات الاتصال القريبة تتم عبر مسح QR code بشكل متبادل.
أما Bridgefy فيعتمد على Bluetooth mesh، وتوضح صفحاته الرسمية أنه يتطلب اتصالًا بالإنترنت عند فتح التطبيق لأول مرة لتسجيل الدخول، ثم يمكنه العمل لاحقا من دون إنترنت. كما تذكر مواده التعريفية أن الرسائل يمكن أن تنتقل لمسافة تقارب 100 متر في القفزة الواحدة، ثم تمتد أبعد عبر هواتف أخرى تعمل كعقد وسيطة داخل الشبكة.
لكن الفارق المهم هنا هو أن Briar وBridgefy لا ينبغي وضعهما في السلة الأمنية نفسها.
فبينما يقدم Briar نفسه بوصفه أداة مقاومة للرقابة ومشفرة طرفا لطرف، واجه Bridgefy انتقادات أمنية جدية من باحثين أكاديميين.
فقد وجدت دراسة من Royal Holloway عام 2020 ثغرات خطيرة في التطبيق، ثم خلصت دراسة لاحقة من ETH Zurich إلى أن اعتماد بروتوكول Signal لم يعالج جميع الإشكالات الأمنية السابقة، وأن بعض مزاعم الأمان بقيت غير متحققة بالكامل.
لهذا فإن وصف Bridgefy بأنه يوفر خصوصية قوية يحتاج دائما إلى قدر من التحفظ التحريري.
أما في الحالة الإيرانية تحديدا، فالثابت من المصادر الموثوقة هو وقوع انقطاعات واسعة ومتكررة، ووجود توجه نحو أدوات اتصال بديلة قائمة على البلوتوث والشبكات اللامركزية.
وقد ذكرت رويترز في يناير 2026 أن إيرانيين اتجهوا إلى تطبيق Bitchat، وهو تطبيق يعمل بتقنية Bluetooth mesh نفسها، ما يؤكد أن بيئة القمع الرقمي في إيران دفعت فعلا إلى البحث عن بدائل اتصال خارج الإنترنت التقليدي.
لكنني لم أعثر، في حدود ما راجعته من مصادر كبرى وموثوقة، على توثيق مستقل قوي يثبت أن Briar وBridgefy كانا تحديدا الأداتين الرئيسيتين لتنسيق الاعتصامات والإضرابات الجامعية في إيران خلال 2026، لذا فالأدق صحفيًا هو القول إن هذه التطبيقات تمثل نماذج بارزة للأدوات التي يُلجأ إليها عادة في بيئات الإغلاق والرقابة، لا الجزم بأنها كانت وحدها أو على نحو موثق الأداة المركزية للحراك الإيراني.