بقدر ما لكرة القدم من بهجة، بقدر ما تحتفظ في استدارتها بقسط من العنف واللعنات الغامضة.
فاللعب تحرير لطاقة جسمية ونفسية لا يمكن التحكم فيها بحالات الجد، وهو ما يطلق عليه أحيانـاً الترويح عن النفس. كرة القدم محاولة لتصريف مجموعة من الانفعالات بعضها آني وبعضها الآخر اجتماعي وجمعي قديم .
ويشير موقع صحيفة "الإندبندنت" في 23 يناير الماضي إلى دراسة منشورة في مجلة "فلوسفيكال ترانزأكشنز" التي تصدرها الجمعية الملكية البريطانية، مفادها أن الدافع الجنسي الذكوري هو الدافع الخفي وراء معظم النزاعات والحروب في العالم، وتحت هذا يندرج العنف في المجتمع والملاعب الرياضية وحتى الحروب العالمية .
وربما كان الكاتب والروائي البريطاني جورج أورويل مُحقـاً عندما قال: "إن الرياضة الجدية لا علاقة لها باللعب النزيه، فهي محكومة بالغيرة والكراهية والتبجح وتجاهل كل القواعد، والمتعة السادية المتمثلة في مشاهدة العنف، وبكلمات أخرى، إنها الحرب من دون إطلاق الرصاص" .
شيء من هذا القبيل ذهب إليه الروائي الأميركي بول أوستر، الذي اعتبر في مقالة قصيرة عن أبرز دروس الألفية المنصرمة، وترجمتها مجلة "الكرمل"، أن هذه الرياضة هي "البديل عن سفك الدماء" في الحروب الكونية.
اختار أوستر أمثولة كرة القدم بصفتها "معجزة" الأمم الأوروبية في ممارسة كراهية الآخر من دون الاضطرار إلى تمزيق أوصاله في ساحة قتال: "البلدان اليوم تخوض حروبها في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير. والمفترض أن هذه لعبة، وأن التسلية هي هدفها. غير أن الذاكرة الخفيَّة لتناحرات الماضي تخيِّم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصداء الانتصارات والهزائم القديمة". يشير أوستر إلى أن عنف هذه الرياضة لم يكن وحده سبب انزعاج الملوك القدامى؛ لأنهم في الواقع كانوا أيضـًا يخشون من أن يؤدي الانغماس في هذه اللعبة إلى إلهاء الناس عن الوقت المخصص للتدرب على الرماية، وأن المملكة بذلك ستصبح أضعف في استعدادها العسكري لمواجهة الغزو الخارجي.
وفي ظل التهافت على إشباع غريزة النصر، ومع تنامي نزعات الإقصاء والكُره والعنف المتوارثة عن ساحات الحرب، صارت الخسارة في الملعب، تحت وطأة قانون الربح في السوق، أمرًا لا يحتمل.
ويتبنى أمبرتو إيكو موقفـاً ناقدًا للكرنفال الجنوني الذي بات يستحوذ على جانب واسع من المشهد العالمي، إذ لم يستفز مفكر قبله أو من مجايليه جمهور كرة القدم كما فعل، فقد استطاع بالفعل أن يثير الزوابع الكلامية في أكثر من مناسبة، ليس أهونها حديثه الشهير لمجلة Globe. فهو لا يفوت أي فرصة لإطلاق التصريحات النارية ضد آليات تسويقها الجهنمية، بما في ذلك لحظة فوز بلاده إيطاليا ببطولة العالم للمرة الرابعة، وهو أمر لم يكن ينفيه جواو هافيلانج أشهر رئيس للفيفا والذي اختصر مهمته النفعية ببيع سلعة اسمها كرة القدم .
إن كرة القدم ببساطة هي صورة من صور الصراع المشروع بين البشر، أو هي البديل المشروع للحرب. وساحات كرة القدم تجسد الصراع الخفي، والمبارزة الحية على صفة التفوق عند الشعوب التي تجد فوزها في مباراةٍ دلالة على انتصارها الحضاري العام . وفي مباريات الكرة، يسود الاعتقاد لدى المشجعين بأن تلك "الحرب" تقام في ظروف عادلة، ولكن حين يخيب هذا الظن تسرع الجماهير بتفسير وتبرير "الهزيمة" بالحكم والتحكيم. ولذا نستخدم في كرة القدم مفردات قتالية قاسية، مثل: رأس حربة، طرد، قائد الفريق، المرمى، ركلة مباشرة، تسلل.. إلخ. وفي النهاية ينتزع الفائز الكأس الذي يختزل كل مغريات الفوز بحجمه الصغير الذهبي البراق، بديلاً من غنائم الحروب التقليدية.
وكرة القدم هي مباراة بين فريقين يسعى كل منهما إلى احتلال أرض الآخر، بامتلاك الكرة وحيازتها وبتكتيكات وتحركات جماعية تتجلى فيها مهارة الفرد وموهبته وقيادته وكرة القدم. بتعبير آخر تعد صورة من صور الصراع الجماعي المتكرر. وعن الصراع الجماعي يقول جورج زيفلير الصحفي الفرنسي والكاتب في "لوفيغارو": "منذ الأزل والمظهر الذي يحكم العلاقات الإنسانية هو الكفاح، فعندما تهاجم جماعة ما جماعة أخرى فإن رد المجموعة الأخرى هو حتمـًا المواجهة ومنها يأتي التصادم والعنف!".
الجمهور يلتف إذن حول كرة القدم لأنها نشاط تنافسي، وتعتبر بديلاً للقتال الحقيقي، فالهتافات والتعبيرات التي تطلقها الجماهير أشبه بعبارات القتال، فهي عدوان اجتماعي مقبول، كما يقول د. قدري حفني، أستاذ علم النفس السياسي بجامعة عين شمس .
ومع هتاف الجموع الهادرة بصوتٍ يشبه هزيم الرعد، يحن الجمهور إلى طقوس الاقتتال ويستعيض عن السلاح بالحماس والتشجيع الجنوني، ليعيش أنصار هذا الفريق أو ذاك أجواء الحرب، فيما "القبائل أرز يُنثر في المدرجات، وليس في الأفق إلا سيول من اللهب تنفجر من أتون المذاهب" .
وحتى إذا كانت المباراة بين فريقين ينتميان إلى بلد واحد، فإنها قد تصبح في ظل التعصب وجماهيرية الفريقين، حربـًا أهلية بامتياز. وفي ظل ظواهر النرجسية، والهستيريا الفردية والجماعية، والعُصَاب، والتعصب والعصبيات، تستثير كرة القدم خليطـًا من الغرائز العدوانية والمشاعر الإنسانية. فهي تحرك في نفوس المشجعين - وربما اللاعبين أيضـًا- الرغبة في الانتقام وما يرافقها من الشتم والسباب والعراك الفردي والمصادمات الجماعية.
وعندما يتم عرض هذه "الحرب" الكروية تليفزيونيـًا، نجد أنفسنا أمام ما يمكن توصيفه بأمم اتفقت على أن ترصد لحظة اختلافها. إن مجرد الاتفاق على متابعة هذه "الحرب" على شاشة التليفزيون يعني أن كرة القدم أقرب إلى تنفيس العنف منها الى العنف، وأشبه كثيرًا بمسرحة غريزة القتل منها بإطلاقها. هنا تتواكب المشاهدة مع التعليق كلامـًا وصراخـًا وصفيرًا، وسط حالات متواصلة من الوقوف والجلوس وتغيير الوضعية الجسمانية للمشاهد. إنها متابعة بصرية تحرر صاحبها، فيما تلطف مشاهد "الحرب" إعلانات تجارية عن سلع وبيع وشراء وتسلية، حتى إن علامات الحشود القومية من أعلام وبيارق وأغان وأناشيد تروح تدرج في سلع السلوى وفي مشهديّة المشهد .
لقد تحول استاد كرة القدم إلى محمية من نوع ما حيث أصبح بوسع الناس ممارسة المحرمات المرتبطة بالهستيريا القَبَلية بل وحتى العداء العنصري، ولكن إلى حدٍ معين: فحين تحولت السخرية من مشجعي أياكس إلى عنف حقيقي، وأصبحت مصحوبة في بعض الأحيان بأصوات استهجان جماعية أشبه بتسرب الغاز، اضطرت سلطات المدينة إلى التدخل، حتى إن بعض المباريات أقيمت في غياب جمهور الفرق المنافسة .
ويتحدث الصحفي فرانكلين بوير في كتابه "كيف يمكن لكرة القدم أن تشرح لنا العالم؟" ، عن الكرة كمنهج لتفسير الصراعات السياسية والطائفية والعرقية في شرق أوروبا.. وكيف تحولت ملاعب الكرة إلى ساحات حقيقية وموازية للصراعات العالمية.