تضغط الولايات المتحدة على لبنان لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، في خطوة تتجاوز تعديل تشريع يعود إلى أكثر من 7 عقود لتثير تساؤلات بشأن موقف بيروت، وذلك بالتزامن مع اعتراض واشنطن على ملاحقة السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة قضائيا بسبب مشاركتها في المفاوضات الثلاثية.
وقال مسؤول في الخارجية الأميركية في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن وزير الخارجية ماركو روبيو أثار، خلال اتصال مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، مسألة قانون المقاطعة اللبناني لعام 1955، الذي قال إنه "يستخدم بصورة متكررة في ملاحقات قضائية مسيسة من شأنها ردع الخطوات الرامية إلى تحقيق السلام".
كما اعتبر روبيو أن القانون اللبناني "غير عملي في الوقت الراهن"، في وقت حث على إقامة اتصالات عسكرية مباشرة بين القوات اللبنانية والإسرائيلية لتجنب الاحتكاك والتعارض بين تحركاتها، بما يساعد على الحد من التقديرات الخاطئة وتعزيز التنفيذ المتدرج للإطار الثلاثي.
وسبق أن أعربت الخارجية الأميركية عن استنكارها إحالة شكوى مقدمة ضد السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري اللبناني، على خلفية مشاركتها في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، وأسفرت عن توقيع اتفاق الإطار الذي بموجبه ينبغي أن تنسحب إسرائيل تدريجيا من مناطق بالجنوب اللبناني.
وأكد المسؤول الأميركي مجددا ضرورة "إلغاء القوانين والممارسات التي تتيح هذا النوع من الاستهداف المسيس، بينما توفر حماية ممنهجة لعناصر حزب الله"، وفق تعبيره.
ماذا نعرف عن قانون المقاطعة اللبناني؟
صدر قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان في يونيو 1955، ويحظر على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين عقد اتفاقات مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل، مع فرض عقوبات تشمل الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة تتراوح بين 3 و10 سنوات، وغرامة مالية.
وتتولى لجنة المقاطعة التابعة لوزارة الاقتصاد متابعة تنفيذ السياسة ذات الصلة، بالتنسيق مع أجهزة الأمن والقضاء، بينما تبرز المحكمة العسكرية في بعض الملاحقات المرتبطة بهذه القضية.
كيف ينظر الداخل لإلغاء القانون؟
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي خالد حمادة، في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن إثارة الولايات المتحدة مسألة إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل تتماشى مع اتفاق الإطار، الذي ينص في مقدمته على أن لبنان وإسرائيل "ليسا في حالة عداء"، معتبرا أن هذا التوصيف تترتب عليه تداعيات دبلوماسية وقانونية كان ينبغي أخذها في الاعتبار عند التوقيع على الاتفاق، وليس الاكتفاء بالتفسير الحرفي لنصوصه.
وأوضح حمادة أن إنهاء حالة العداء يطرح، من الناحية القانونية، تساؤلات بشأن استمرار العمل بقانون المقاطعة، لكنه في المقابل أشار إلى أن لبنان غير مهيأ حاليا لإلغاء القانون، معتبرا أن "تحميل أي طرف لبناني مسؤولية الاستجابة للمطلب الأميركي في هذه المرحلة قد يضعه أمام تبعات سياسية داخلية يصعب تحملها".
واقترح البحث عن بدائل لا تلغي قانون المقاطعة، وإنما تتيح هامشا قانونيا محددا للشخصيات الدبلوماسية اللبنانية المشاركة في المفاوضات، موضحا أن المقاطعة تشمل، وفقا للقانون، أشكال التواصل الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي والثقافي مع إسرائيل.
وقال الخبير اللبناني إنه "من الممكن وضع صيغ استثنائية ومؤقتة تواكب متطلبات المرحلة التفاوضية، على أن تكون مرتبطة بآجال زمنية محددة وبمدى التقدم نحو وقف إطلاق النار وضمان الأمن والسلام في جنوب لبنان، بدلا من إلغاء القانون بصورة شاملة قبل اتضاح نتائج المفاوضات".
واعتبر حمادة أن "المقترح الأميركي يتسم بمحاولة تسريع المراحل، من دون مراعاة كافية للواقع السياسي اللبناني، خاصة أن إلغاء القانون يتطلب موافقة مجلس النواب، والمجلس غير مهيأ حاليا لاتخاذ مثل هذه الخطوة".
كما حذر من أن ربط إلغاء قانون المقاطعة بملف نزع سلاح حزب الله قد يزيد الانقسامات الداخلية، إذ قد تدفع هذه المعادلة بعض القوى السياسية إلى رفض الاتفاق برمته إذا اعتبرت أن الالتزامات المترتبة عليه تقود إلى إلغاء القانون.
وأكد حمادة أن معالجة المسألة ينبغي ألا تتم عبر خطوات مباشرة وشاملة قد تهدد المسار التفاوضي، بل من خلال إجراءات محدودة تتناسب مع واقع المفاوضات وتكون مرتبطة بجدول زمني واضح، وصولا إلى اتفاق نهائي يضمن الانسحاب الإسرائيلي وتحقيق الأمن في جنوب لبنان، متسائلا عن جدوى المضي في التفاوض إذا لم يؤد في النهاية إلى تحقيق هذه الأهداف.