تصاعدت التحذيرات الدولية من اضطراب أنماط سقوط الأمطار في حوض النيل، وتزايد احتمالات تراجع الإيراد السنوي للنهر عن معدلاته المعتادة، وهو ما قد يلقي بظلاله على الوضع المائي لمصر.
وفي هذا السياق، تتابع مصر عن كثب التدفقات المائية القادمة من الهضبة الإثيوبية، في ظل استمرار الخلاف المرتبط بسد النهضة، الذي لا يزال يشكل أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في المنطقة، وتؤكد السلطات المصرية امتلاكها خططا متعددة للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
وجاءت المحاكاة التي أجرتها وزارة الموارد المائية والري أخيرا لسيناريوهات الطوارئ وإدارة الموارد خلال الموسم الحالي، لتعكس حجم الاستعداد الرسمي لمواجهة احتمالات تتراوح بين تراجع معدلات الأمطار على منابع النيل وارتفاع الطلب المحلي على المياه، في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على النهر لتلبية احتياجاته الزراعية والصناعية والسكانية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة في ظل تحذيرات خبراء المناخ من أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت عاملا مباشرا يؤثر في دورات الجفاف والفيضانات وتوزيع الأمطار داخل القارة الأفريقية.
وتشير دراسات دولية إلى أن منطقة حوض النيل ستكون من بين أكثر المناطق تأثرًا بالتقلبات المناخية خلال العقود المقبلة، بما يفرض على دولها تطوير آليات أكثر مرونة لإدارة المياه وتعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة المخاطر المشتركة.
وبين تحديات المناخ وحسابات السياسة، يطرح المشهد الراهن تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول المعتمدة على الأنهار العابرة للحدود على التكيف مع عصر الندرة المائية، وحول ما إذا كانت الحلول التقليدية القائمة على إدارة الموارد الحالية ستكون كافية لمواجهة مستقبل تتزايد فيه الضغوط السكانية. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بما يصل إلى مجرى النيل اليوم، بل بكيفية حماية أمن مائي يمتد تأثيره إلى أجيال قادمة تعتمد حياتها واستقرارها على شريان ظل، لآلاف السنين، عنوانًا للاستمرارية والبقاء.
ماذا تقول خرائط الأمطار في منابع النيل؟
وفي تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، أكد الدكتور عباس شراقي أن قراءة مستقبل التدفقات المائية إلى مصر لا يمكن أن تستند إلى التوقعات المناخية وحدها، وإنما يجب أن ترتبط بمتابعة دقيقة للواقع الفعلي للأمطار على مختلف منابع النيل حتى نهاية الموسم المطري.
وأوضح شراقي أن منظومة النيل تعتمد على مصدرين رئيسيين، الأول يتمثل في المنابع الاستوائية المرتبطة ببحيرة فيكتوريا، والثاني في الهضبة الإثيوبية التي توفر النسبة الأكبر من إيراد النهر السنوي، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية تظهر أداء جيدا للأمطار في المنطقة الاستوائية، في حين تشير بعض النماذج المناخية الإقليمية إلى احتمال تسجيل معدلات أقل من المتوسط في إثيوبيا خلال الموسم الجاري.
وأضاف أن التنبؤات بعيدة المدى تظل مؤشرات استرشادية لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، نظرا إلى تراجع دقتها كلما امتدت الفترة الزمنية، مؤكدًا أن المعيار الحاسم يبقى في كميات الأمطار التي يتم رصدها فعليا مع نهاية الموسم، وشدد، في الوقت نفسه، على أهمية الاستعداد المسبق ووضع سيناريوهات متعددة لإدارة الموارد المائية تحسبًا لأي تطورات غير متوقعة.
وأوضح شراقي أن المياه المحتجزة داخل السدود الإثيوبية تعود في نهاية المطاف إلى مجرى نهر النيل، على عكس ما يحدث في مصر عند الوصول إلى مستويات تخزين مرتفعة في السد العالي، حيث يتم توجيه جزء من المياه إلى منخفضات توشكى لحماية المنشآت المائية وإدارة الفوائض.
وأضاف أن النيل، شأنه شأن جميع الأنهار الكبرى في العالم، يمر بدورات طبيعية من الوفرة والجفاف، مستشهدا بفترة الجفاف التي امتدت بين عامي 1981 و1987، حين مثل السد العالي خط الدفاع الرئيسي عن الأمن المائي المصري، قبل أن يأتي فيضان 1988 الاستثنائي ليعيد ملء بحيرة ناصر، وهو ما وصفه بـ"التوازن الذي جنب مصر مخاطر الجفاف والفيضانات معًا".
ولفت إلى أن العقود الأخيرة اتسمت إجمالا باستقرار نسبي في كميات الأمطار، بل شهدت بعض الفترات معدلات أعلى من المتوسط، الأمر الذي عزز قدرة السد العالي على تنظيم تدفقات النهر وتلبية الاحتياجات المائية المختلفة.
واستبعد شراقي أن تمثل المؤشرات الحالية بداية دورة جفاف طويلة الأمد، موضحًا أن موجات الجفاف التاريخية كانت تتزامن عادة مع انخفاض الأمطار في كل من المنابع الاستوائية والهضبة الإثيوبية معًا، وهو ما لا تشير إليه المعطيات الراهنة حتى الآن.
وقال شراقي إن نهر النيل يظل المصدر الرئيسي للمياه في مصر، مشيرًا إلى أن حصة البلاد البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا لم تشهد زيادة منذ استكمال بناء السد العالي، رغم الارتفاع المتواصل في عدد السكان.
وأوضح أن نصيب الفرد من المياه تراجع بصورة حادة خلال العقود الماضية، إذ تجاوز ألفي متر مكعب سنويًا مطلع السبعينيات، عندما كان عدد السكان نحو 30 مليون نسمة، ثم انخفض إلى قرابة ألف متر مكعب في أوائل التسعينيات، ليقترب حاليًا من 500 متر مكعب فقط، مع توقعات بمزيد من التراجع خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن معيار الألف متر مكعب للفرد، الذي تعتمده الأمم المتحدة، يجب النظر إليه في ضوء الخصائص المناخية والجغرافية لكل دولة، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يرتبط بوفرة الموارد المائية فحسب، وإنما بكفاءة إدارتها وترشيد استخدامها، لافتًا إلى أن بعض الدول الغنية بالمياه تواجه أزمات حقيقية بسبب سوء الإدارة، بينما تنجح دول أخرى ذات موارد محدودة في تحقيق مستويات أفضل من الأمن المائي عبر التخطيط والاستخدام الرشيد.
وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في موسم واحد أقل أو أعلى من المتوسط، بل في القدرة على بناء سياسات مائية مرنة وقادرة على التكيف مع التقلبات المناخية المتزايدة، بما يحافظ على الأمن المائي المصري في ظل المتغيرات الإقليمية والبيئية المتسارعة.