دخل لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة من التفاهمات الأمنية بعد توقيع إطار عمل ثلاثي برعاية الولايات المتحدة، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها محطة جديدة في جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق "سلام واستقرار دائمين" في الشرق الأوسط، بينما اعتبرتها بيروت مدخلا لاستعادة سيادتها الكاملة، ورأت فيها إسرائيل آلية تضمن إزالة تهديد حزب الله على حدودها الشمالية.
ورغم عدم نشر النص الكامل للاتفاق، فإن البيانات الرسمية والتصريحات الصادرة عن المسؤولين اللبنانيين والأميركيين والإسرائيليين كشفت ملامح الإطار الجديد وأبرز بنوده.
خارطة طريق لإنهاء الحرب
تقول الإدارة الأميركية إن الاتفاق يرسم "مسارا واقعيا للخروج من دوامة الصراع" التي استمرت لعقود، معتبرة أن الحروب المتكررة بين لبنان وإسرائيل كانت نتيجة نشاط جماعات مسلحة مدعومة من إيران، وفي مقدمتها حزب الله.
وبحسب البيان الأميركي، فإن الاتفاق يؤسس لعملية تدريجية تهدف إلى استعادة سيادة الدولة اللبنانية، وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، وتأمين عودة إسرائيل إلى حدودها بمجرد زوال التهديد الأمني على حدودها الشمالية.
في المقابل، شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أن الهدف الأساسي للإطار هو "الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، واستعادة سيادة الدولة عليها، وتمكين السكان من العودة إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار".
انسحاب تدريجي يبدأ بمنطقتين تجريبيتين
يشكل "الانسحاب الإسرائيلي التدريجي" الركيزة الأساسية للاتفاق، لكنه يبدأ عبر "منطقتين تجريبيتين".
وينص الإطار، وفق بيان السفارة اللبنانية في واشنطن، على أن تشهد المنطقتان:
- انسحابا إسرائيليا.
- انتشار الجيش اللبناني.
- نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية.
وتعد هذه المرحلة اختبارا أوليا قبل الانتقال إلى انسحاب تدريجي من بقية الأراضي اللبنانية.
وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إحدى المنطقتين تقع "جنوب نهر الليطاني وخارج المنطقة الأمنية"، فيما تقع الثانية "شمال الليطاني".
وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي سيبقى حاليا على امتداد "الخط الأصفر"، ولن ينسحب في المرحلة الأولى من بعض المواقع الاستراتيجية، بينها قلعة الشقيف، على أن يتوسع الانسحاب لاحقا إذا نجحت المرحلة التجريبية.
الجيش اللبناني يتولى الأمن
يقوم الاتفاق على أن تتولى "القوات المسلحة اللبنانية وحدها" مسؤولية الأمن في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
وقال نواف سلام إن هذا الالتزام لا يشكل بندا جديدا، بل يعكس ما نص عليه "اتفاق الطائف" والقرار الدولي "1701"، وكذلك إعلان وقف الأعمال العدائية لعام 2024، التي تؤكد جميعها أن السلاح يجب أن يكون حصرا بيد الدولة اللبنانية، وأن الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
نزع سلاح حزب الله
يشكل ملف سلاح حزب الله أحد أبرز محاور الاتفاق.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الإطار يضع "عملية واضحة ومنظمة لاستعادة سيادة لبنان ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية"، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لتحقيق استقرار دائم.
وفي المقابل، أكد نتنياهو أن إسرائيل "لن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان ما دام حزب الله لم ينزع سلاحه"، مشيرا إلى أن القوات الإسرائيلية ستمنع عودة عناصر الحزب إلى تلك المنطقة.
آلية تنفيذ ورقابة جديدة
يستحدث الاتفاق "مجموعة التنسيق العسكرية الثلاثية للبنان (MCG4L)"، وهي آلية جديدة تيسرها الولايات المتحدة لتنسيق تنفيذ الاتفاق بين الأطراف.
كما سيتولى الجيش الأميركي متابعة تنفيذ الاتفاق ميدانيا، إلى جانب تدريب الجيش اللبناني وتعزيز جاهزيته، فيما تستمر آلية الرقابة المشتركة التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل.
وترى واشنطن أن الإشراف الأميركي المباشر يمنح الاتفاق فرصا أكبر للنجاح مقارنة بالتفاهمات السابقة.
التنفيذ على مراحل
بحسب مصادر لصحيفة إسرائيل هيوم، فإن توسيع الانسحاب الإسرائيلي سيكون "مشروطا بنجاح المرحلة الأولى".
فإذا تمكن الجيش اللبناني من فرض سيطرته على المنطقتين التجريبيتين، وإزالة البنية العسكرية لحزب الله ومنع عودة عناصره، ستتم إضافة مناطق جديدة، وصولا إلى انسحاب تدريجي من بقية الأراضي اللبنانية.
رسائل سياسية متباينة
يحمل الاتفاق أبعادا سياسية تتجاوز الترتيبات الأمنية. ففي واشنطن، تعتبر الإدارة الأميركية أن الإطار يمثل خطوة جديدة ضمن استراتيجية أوسع لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وإنهاء نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.
أما في إسرائيل، فوصف نتنياهو الاتفاق بأنه ""ضربة قوية لإيران""، مؤكدا أنه يوجه رسالة واضحة إلى طهران وحزب الله بأنهما لن يكون لهما دور في مستقبل لبنان، بينما ترى مصادر إسرائيلية أن الاتفاق يحد من النفوذ الإيراني ويمنع فرض انسحاب إسرائيلي أحادي من جنوب لبنان.
في المقابل، تركز الحكومة اللبنانية على أن الاتفاق يمثل إطارا لاستعادة السيادة الكاملة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة النازحين إلى مناطقهم، دون تقديمه باعتباره اتفاقا سياسيا أو معاهدة سلام بين البلدين.