انحسر نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين خلال السنوات الأخيرة في عدد من الدول العربية، بعد حظره أو تصنيفه تنظيما إرهابيا في بعضها وتراجع حضوره السياسي في أخرى. لكن السودان يبدو استثناء؛ إذ أعادت الحرب تشكيل شبكة من التحالفات العسكرية والأمنية والسياسية وضعت الجماعة في قلب واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة.
تراجع حضور التنظيم في عدد من العواصم العربية، بينما تحول السودان إلى الساحة الأبرز لاستمرار نفوذه، ليس عبر حزب سياسي معلن، وإنما من خلال شبكة تضم شخصيات عسكرية وأمنية وكتائب مسلحة ومراكز نفوذ مالي وتنظيمي.
وتبدأ خريطة الحضور الإقليمي من مصر وتونس، مرورا بالسعودية والإمارات والبحرين والأردن وسوريا وليبيا واليمن، لتنتهي عند السودان بوصفه الحلقة التي بقي فيها التنظيم حاضرا داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار.
شبكة النفوذ داخل الجيش
يتصدر قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان هذه الشبكة. ورغم نفيه المتكرر لأي انتماء تنظيمي، فإن القرارات التي اتخذها خلال السنوات الأخيرة أعادت شخصيات محسوبة على نظام الرئيس السابق عمر البشير إلى المشهد.
فبجرة قلم، حلت لجنة تفكيك تمكين نظام الإنقاذ ، وأطلق سراح عدد من قيادات الحركة الإسلامية، كما توسع حضور الكتائب الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، مع الاعتماد عليها في عدد من جبهات القتال.
ويبرز إلى جانبه الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي أعلن وجود كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، إضافة إلى الفريق أول ميرغني إدريس، مدير منظومة الصناعات الدفاعية، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مرتبطة بصفقات تسليح للجيش السوداني.
الأجهزة الأمنية وإعادة تشكيل البنية القديمة
يتولى مدير جهاز المخابرات العامة أحمد إبراهيم مفضل إدارة واحد من أكثر الملفات حساسية، مع إعادة إحياء هياكل مرتبطة بالأمن الشعبي ودمج عناصرها داخل المنظومة الأمنية.
ويمتد هذا المسار إلى الفريق أمن محمد عباس اللبيب، نائب مدير جهاز المخابرات العامة، الذي يقود تحركات الكتائب الإسلامية في الميدان، بمساندة هيئة العمليات التي استعادت حضورها خلال الحرب.
لا تتحرك هذه الشبكة بمعزل عن القيادات التاريخية للحركة الإسلامية، وفي مقدمتها علي عثمان محمد طه، وعلي كرتي، وأحمد هارون، الذين ما زالوا يمثلون امتدادا تنظيميا يمتلك شبكة واسعة من العلاقات داخل مؤسسات الجيش والأمن ومراكز المال والتعبئة.
الكتائب المسلحة
يشكل لواء البراء بن مالك، بقيادة المصباح أبو زيد طلحة، رأس الحربة في هذه المنظومة، وهو التشكيل الذي أدرجته وزارة الخارجية الأميركية على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وبالتوازي معه تنشط كتائب الظل والعمليات الخاصة، وكتيبة البنيان المرصوص، وكتيبة البرق الخاطف، وكتيبة أسود العرين، بوصفها تشكيلات تعمل تحت مظلات مختلفة داخل المشهد العسكري.
لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى شبكة متداخلة من التمويل والتسليح والتعبئة والغطاء السياسي، تربط بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية في إطار تحالف يقوم على تبادل المصالح والأدوار.
صراع على الدولة ومستقبلها
يقف السودان اليوم أمام أحد أخطر مفترقات الطرق في تاريخه الحديث، بعدما تجاوز الحرب حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتتحول إلى صراع على هوية الدولة ومستقبل مؤسساتها.
وفي هذا المشهد، يمنح الجنرالات التنظيم الشرعية والسلاح، بينما يوفر التنظيم الكتائب وشبكات التعبئة، في معادلة أسهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التسوية، بينما يبقى السودان وشعبه ومؤسساته الخاسر الأكبر.