يطرح الباحث السياسي يوسف دياب قراءة شديدة الحساسية للمشهد اللبناني الراهن، في ظل الجدل المحتدم بشأن قانون العفو العام، وما رافقه من إلغاء جلسة نيابية كان من المقرر أن تخصص للتصويت عليه.
وفي حديثه إلى "سكاي نيوز عربية"، يرسم دياب صورة سياسية وقضائية مضطربة، تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية مع الانقسامات الطائفية، وسط اتهامات بعدم التوازن وغياب العدالة وتهميش رأي القضاء، بما يجعل الملف مفتوحا على احتمالات انفجار اجتماعي وسياسي أوسع.
تعطيل تشريعي يعكس أزمة أعمق في الدولة
يشير دياب إلى أن إلغاء الجلسة النيابية المخصصة للتصويت على قانون العفو العام لم يكن تفصيلا إجرائيا، بل مؤشرا على هشاشة التوافق السياسي بشأن قانون وصفه بأنه “غير متوازن”.
ويعتبر أن القانون، بصيغته المطروحة، لا يستند إلى مقاربة قانونية أو إنسانية أو اجتماعية، بل إلى خلفيات سياسية ذات بعد مذهبي وطائفي، ما أفرغه من وظيفته الإصلاحية المفترضة.
ويحذر من أن هذا الخلل في التوازن التشريعي يترك الأمور "مفتوحة على كل التطورات"، في سياق اجتماعي قابل للاشتعال، لا سيما في ظل مؤشرات توتر تتجاوز السجون لتطال الشارع اللبناني ككل.
القضاء خارج دائرة التأثير.. اعتراض مؤسساتي صريح
في قراءة دياب للمشهد القضائي، يبرز عنصر أساسي يتمثل في استياء واضح داخل الجسم القضائي من مشروع القانون. ويؤكد أنه أجرى اتصالات مع قضاة أبدوا تحفظات جوهرية على ما وصفوه بعدم التكافؤ بين الفئات المشمولة بالعفو.
ويذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن رأي القضاء تم تهميشه بشكل فعلي، رغم وجود قاضٍ شارك في مناقشات اللجان النيابية، إلا أن ملاحظاته لم تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الكتل النيابية.
ويعتبر أن هذا الإقصاء يعكس خللا في آليات التشريع، ويضع علامات استفهام حول مدى احترام المؤسسات الدستورية في صياغة القوانين الكبرى.
أرقام غير متوازنة تعيد تعريف العدالة
في جوهر التحليل، يقدم دياب مقاربة رقمية تظهر حجم التباين في القانون المقترح، إذ يشير إلى أن عدد المستفيدين من العفو في ملف الإسلاميين لا يتجاوز نحو 129 موقوفا أو محكوما، في مقابل حوالي 30 ألف مذكرة تتعلق بتجار مخدرات، إضافة إلى ما يقارب 20 ألف شخص متوارين إلى إسرائيل.
ويعتبر أن هذا التفاوت يعكس غياب معيار موحد للعدالة، حيث لا تتساوى الفئات القانونية أمام القانون، ما يضعف منطق الإنصاف ويحول العفو من أداة تسوية وطنية إلى ملف انتقائي.
كما يلفت إلى أن العديد من الموقوفين الإسلاميين كان يمكن أن يشملهم الإفراج لو طبق القانون بمعايير قضائية صرفة بعيدا عن التدخلات السياسية، مع الإشارة إلى وجود محكومين اعترفوا بجرائم خطيرة ضد الجيش اللبناني، وهو ما يخرجهم – بحسب تعبيره – من أي نطاق للعفو.
ملف أحمد الأسير وإشكالية العدالة العسكرية
يتوقف دياب عند قضية أحمد الأسير، معتبرا أنها نموذج على الإشكالات القضائية المزمنة. ويشير إلى أن الحكم الصادر بحقه لم يستكمل طعنه أمام القضاء منذ عام 2017، ما يعكس، بحسب وصفه، بطئا في الإجراءات القضائية وغياب الحسم القانوني.
كما يثير مسألة أداء المحكمة العسكرية، مشيرا إلى أن محاكمة الأسير شابتها، وفق روايته، ثغرات مرتبطة بعدم استدعاء أطراف ورد ذكرهم في وقائع العنف، رغم وجود تسجيلات وأدلة قدمت للمحكمة.
ويعتبر أن هذا الواقع ساهم في إنتاج "محاكمة غير متوازنة"، على حد توصيفه، ما يضع علامات استفهام حول استقلالية الإجراءات.
البعد الإقليمي وتشابك الملفات
في مقاربة أكثر اتساعا، يشير دياب إلى أن ملف الموقوفين الإسلاميين لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي، لا سيما الحرب في سوريا، معتبرا أن بعض هؤلاء دفعوا ثمن مواقف مرتبطة بالصراع السوري.
لكنه في الوقت نفسه يؤكد، استنادا إلى لقاءاته مع مسؤولين، عدم وجود معطيات رسمية تفيد بأن دمشق طلبت معاملة مماثلة للموقوفين اللبنانيين.
ويضيف أن هذا التباين بين الحالات اللبنانية والسورية يخلق شعورا بعدم العدالة لدى عائلات الموقوفين، خصوصا عند المقارنة بين عمليات التسليم والإفراجات في الجانبين.
الطائفية كعامل ضاغط على التشريع
يقدم دياب قراءة بنيوية للأزمة، مفادها بأن أي قانون عفو في لبنان يصطدم حتما بتوازنات طائفية دقيقة. ويشير إلى أن أي "فيتو" من طائفة أساسية قادر على تعطيل القانون بالكامل، ما يعكس هشاشة البنية السياسية أمام القوانين السيادية.
ويشدد على أن غياب العدالة المتوازنة يطال أيضا ملفات أخرى، من بينها المتعاونون مع إسرائيل وملفات الجنوب اللبناني، معتبرا أن بعض الفئات وجدت نفسها في ظروف قسرية تاريخية، ما يستوجب معالجة قانونية وإنسانية دقيقة بعيداً عن التعميم.