فجّرت تصريحات قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بشأن إمكانية محاسبة أو إعفاء المنضمين من قوات الدعم السريع إلى الجيش موجة واسعة من الجدل، وسط اتهامات بكشفها عمق التناقضات داخل سردية السلطة العسكرية والسياسية في بورتسودان.
وجاءت تصريحات البرهان بعد أيام من استقباله أحد القيادات البارزة في الدعم السريع، النور قبة، عقب انضمامه إلى الجيش، وفي ظل استمرار الجدل حول شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة قبل انتقالها إلى صفوف القوات المسلحة.
تصدعات السردية
واعتبر مراقبون أن تصريحات البرهان تعكس حجم التناقضات داخل تحالف الجيش، مشيرين إلى أن المشهد الحالي تحكمه اعتبارات إدارة التحالفات العسكرية والسياسية أكثر من اعتبارات العدالة والمحاسبة، في محاولة للحفاظ على تماسك الخطاب الذي استُخدم لتبرير استمرار الحرب خلال الفترة الماضية.
ورأى كتّاب وسياسيون سودانيون أن التصريحات والتطورات الأخيرة وجهت ضربة قوية للسردية التعبوية التي تشكلت منذ اندلاع الحرب، والقائمة على تصوير قوات الدعم السريع كقوة يستحيل التفاهم أو التعايش معها تحت أي ظرف.
امتصاص الغضب
وكان البرهان قد أعلن، الجمعة الماضي، خلال مخاطبته مصلين في مسجد الدروشاب شمال الخرطوم، أن "أي شخص وصل إلى قناعة ووضع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له، لكن الكلمة الأخيرة عند الشعب السوداني، فهو الذي يقرر محاسبتهم أو إعفاءهم".
وقال الصحفي والكاتب السوداني عثمان فضل الله، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية، إن تصريحات البرهان "جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد حالة الغضب والارتباك التي ظهرت وسط قطاعات من عناصر الإخوان والتيارات الداعمة للحرب، عقب عودة بعض قادة الدعم السريع إلى الواجهة أو انخراطهم في ترتيبات جديدة".
وأضاف أن البرهان يدرك أن مؤسسات العدالة في البلاد، بما فيها النيابة والقضاء، "تعمل داخل بيئة مسيّسة وتخضع بصورة مباشرة لنفوذ السلطة الأمنية والسياسية، ما يجعل الحديث عن تحقيقات مستقلة أو بلاغات جادة ضد شخصيات نافذة أقرب إلى الرسائل السياسية منه إلى الإجراءات القانونية الفعلية".
ووصف فضل الله تصريحات البرهان بأنها "محاولة لامتصاص الغضب الذي أعقب عودة بعض قيادات الدعم السريع المنشقة، وإعادة ضبط التوازن داخل معسكره السياسي، عبر إطلاق خطاب يوحي بالحزم والمحاسبة، من دون أن يترتب عليه بالضرورة أي إجراء عملي".
تحالفات متناقضة
جاءت تصريحات البرهان الأخيرة بعد أيام من استقباله بشكل لافت للنور قبة، المنشق عن قوات الدعم السريع، في 19 أبريل الماضي بمدينة دنقلا أقصى شمال السودان.
وأظهرت صور نشرها الإعلام الرسمي مصافحة حارة بين البرهان وقبة، بعد يوم واحد من وصول الأخير إلى المنطقة قادماً من صحارى شمال دارفور.
واعتبر الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار محمد تصريحات البرهان بشأن محاسبة المنضمين الجدد أو إعفائهم "محاولة لخداع الناس".
وقال في تصريح لموقع سكاي نيوز عربية: "وجد البرهان نفسه في لحظة انكشاف لم يضع لها حساباً، لذلك لجأ إلى مسك العصا من المنتصف فيما يتعلق بالعفو عن الحقين العام والخاص، رغم إدراكه لغياب مؤسسات العدالة بعد تسييسها وعسكرتها".
وشكك المختار في قدرة البرهان على فتح الباب أمام محاسبة المنضمين من الدعم السريع، قائلاً: "لا يجرؤ أحد على مقاضاة أمراء الحرب الذين يعيد البرهان إنتاجهم داخل معسكره".
اتهامات تلاحق المنضمين
ويواجه المنضمون إلى صفوف الجيش السوداني اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة خلال فترة وجودهم في قوات الدعم السريع.
وتقول مصادر متعددة، بينها قيادات في الدعم السريع، إن النور قبة ارتكب انتهاكات واسعة خلال فترة حصار مدينة الفاشر، عندما كان ضمن صفوف الدعم السريع، مشيرة إلى تسريبات صوتية ظهرت مؤخراً نُسبت إليه، تضمنت أوامر بقصف معسكر زمزم للنازحين واستهداف مدنيين.
كما تتهمه المصادر بالعمل لصالح الجيش قبل انشقاقه رسمياً، وبالتورط في ارتكاب انتهاكات بهدف توريط قوات الدعم السريع.
أما أبو عاقلة كيكل، قائد ما يعرف بـ"قوات درع السودان"، فقد فرض الاتحاد الأوروبي عليه عقوبات في 18 يوليو 2025، بعد ثمانية أشهر من انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش، وذلك على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة، شملت عمليات قتل ونهب ضد مدنيين في ولاية الجزيرة.
وحمّل الاتحاد الأوروبي كيكل مسؤولية مقتل عشرات المدنيين من سكان "الكنابي"، وهي تجمعات سكانية مهمشة تحيط بمدن رئيسية في ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي في السودان.
كما أشارت تقارير حقوقية إلى تورط قوات كيكل وكتيبة البراء، الجناح المسلح لتنظيم الإخوان، في عمليات تطهير عرقي وعمليات قتل على أساس الهوية، إضافة إلى إلقاء أشخاص أحياء في النهر وتنفيذ إعدامات ميدانية على الطرق العامة.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، ولجوء أكثر من 4.5 مليون شخص إلى دول الجوار، إضافة إلى نزوح نحو 13 مليوناً داخل البلاد، فيما تصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في السودان بأنها الأسوأ عالمياً.