أعلنت السلطة القائمة في بورتسودان رفض قيام مؤتمر برلين المزمع عقده الأربعاء المقبل، مبررة موقفها بعدم التشاور معها أو إشراكها في ترتيباته، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة للبحث عن شرعية سياسية على حساب معاناة السودانيين وأرواحهم.
هذا الموقف قوبل بانتقادات من سياسيين وقوى مدنية ونشطاء سودانيين، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية داخل البلاد، وتتزايد الحاجة إلى حلول سياسية عاجلة.
وينعقد مؤتمر برلين يوم الأربعاء الموافق 15 أبريل، بدعوة من الآلية الخماسية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، وجامعة الدول العربية)، وبمشاركة الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، وبحضور 41 شخصية سودانية سياسية ومدنية، إلى جانب منظمات أممية ودولية رفيعة تعمل في المجال الإنساني.
رفض سلطة بورتسودان
وفي هذا السياق، سلّمت السفيرة إلهام إبراهيم محمد أحمد مذكرة إلى الخارجية الألمانية، أكدت فيها أن أي نقاش حول السودان دون إشراك السلطة القائمة في بورتسودان "يعد انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".
وكان مالك عقار، الذي يشغل منصب نائب عبد الفتاح البرهان في السلطة القائمة ببورتسودان، قد أعلن رفض قيام المؤتمر، واصفا انعقاده بأنه يتعارض مع رغبة السودانيين وتطلعاتهم.
وقال غيريت كورتس، الباحث في قسم إفريقيا والشرق الأوسط بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، إن مؤتمر برلين ليس مؤتمرا مخصصا لتحقيق السلام المباشر، لكنه يتيح فرصة لتغيير زاوية النظر عبر التركيز على الفاعلين الذين يعملون بالفعل من أجل تحقيق السلام المجتمعي والسياسي، مضيفا أن "هذه المقاربات المدنية يمكن أن تساعد في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لإنهاء الحرب".
وأضاف: "الفاعلون العسكريون وحدهم لن يكونوا قادرين حتى على ضمان إنهاء دائم للحرب. ففي أفضل الأحوال، قد يفضي اتفاقهم إلى تقاسم للسلطة ينتج عنه تشكيل حكومة مدنية-عسكرية هشة أخرى، وسرعان ما تندلع الصراعات داخلها بسبب تباين مصالح مكوناتها، ما يجعل تجدد العنف مسألة وقت".
محاولات تخريب خارجية
لم تكتفِ سلطة بورتسودان بالتصريحات الرافضة لانعقاد المؤتمر، وبحسب مصادر مقربة منها تحدثت لسكاي نيوز عربية، خصصت ميزانية مالية، وحشدت عبر سفاراتها في أوروبا "التي يشغل غالبيتها عناصر من النظام السابق" بعض السودانيين من أنصارها المقيمين هناك لتنظيم تظاهرات ضد المؤتمر.
وقال المحامي والناشط الحقوقي محمد بدر الدين، لسكاي نيوز عربية: "إن خارجية بورتسودان تُدار بالكامل بواسطة الحركة الإسلامية، وهذا أمر يعلمه الجميع، حتى عبد الفتاح البرهان (قائد الجيش). ووزراؤها السابقون والحاليون جميعهم إسلاميون. وحتى إدريس محمد علي، نائب السفيرة إلهام، الذي رافقها في تقديم المذكرة، هو إسلامي وكان من قادة المجاهدين، وهو زميلي في الجامعة في نهاية التسعينيات، وكان حينها رئيس اتحاد الطلاب عندما كان الإسلاميون يسيطرون على الاتحادات".
وأضاف بدر الدين: "الإسلاميون أشعلوا الحرب من أجل العودة إلى السلطة، ومن الطبيعي ألا يقبلوا بأي مبادرات تُسهم في إيقاف الحرب دون تحقيق هذا الهدف".
ترحيب وتحذير من تأسيس
ورحّب تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بمؤتمر برلين، مؤكدا دعمه لأي جهد دولي أو إقليمي يسهم في وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية وتحقيق سلام عادل. لكنه انتقد في الوقت ذاته التحضيرات الجارية، واعتبرها غير كافية وتعاني من قصور جوهري قد يعيق الوصول إلى مسار سياسي جاد وشامل.
وأشار التحالف في بيان أصدره أمس إلى أن بعض الجهات المشاركة، خاصة ضمن مكونات المجتمع المدني والسياسي، معروفة بدعمها للحرب وارتباطها بالحركة الإسلامية، محذرا من أن إشراك شخصيات تفتقر إلى قاعدة جماهيرية حقيقية يؤدي إلى إضعاف مصداقية المؤتمر ويسهم في اختطاف الصوت المدني.
وشدد على ضرورة أن يستند أي مسار سياسي إلى مرجعيات واضحة، وفي مقدمتها خارطة طريق الرباعية، خاصة بيانها الصادر في سبتمبر 2025، الذي نصّ صراحة على عدم إشراك الإسلاميين، مؤكدًا رفضه لأي تسوية مع القوى التي دعمت الحرب أو تسعى لإعادة إنتاج النظام السابق.
وفي ختام بيانه، أكد التحالف استعداده للانخراط الإيجابي في أي مبادرة جادة تقوم على الشفافية والشمول، وتستجيب لتطلعات السودانيين نحو حل جذري للأزمة.
هيمنة الإخوان على القرار
أثار موقف حكومة بورتسودان من مؤتمر برلين انتقادات واسعة، حيث قال الدكتور إسحاق آدم، وهو أستاذ جامعي وخبير في شؤون السلام وفض النزاعات، إن الضجة التي تثيرها سلطات بورتسودان وحلفاؤها حول المؤتمر "هي في الأساس ضجة زائفة".
وأضاف أن الجيش وحكومته القائمة في بورتسودان لم يخسرا سوى خسارة رمزية من عدم الدعوة للمؤتمر، قائلا: "الجيش موجود في المؤتمر عبر ممثلين مستترين ومتواطئين، وهم الأكثر تمثيلًا في قائمة المدعوين السودانيين، بل أكثر من القوى المدنية الديمقراطية".
ووصف موقف الجيش والسلطة القائمة في بورتسودان بـ"البلطجة والابتزاز"، قائلًا: "تسعى سلطات بورتسودان وممثلوها إلى حذف النص على مبادرة الرباعية وإعلانها وخارطة طريقها ومقترحها للهدنة الإنسانية".
يأتي رفض الجيش لمؤتمر برلين في وقت بالغ الحساسية، بعد أيام من إعلان الأمم المتحدة تحوّل المجاعة في السودان إلى واقع مؤكد، مع ارتفاع عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية إلى أكثر من ثلثي السكان، بزيادة 3.3 مليون شخص مقارنة بعام 2025.
وفي ظل تحذيرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن استمرار الحرب وتفكك السلطة والانهيار المتسارع للبنى التحتية والاقتصادية يدفع البلاد نحو خطر التفكك الشامل، يثير هذا الموقف تساؤلات جدية حول كلفة التعنت السياسي، في وقت باتت فيه الحاجة إلى حلول عاجلة وشاملة مسألة حياة أو موت لملايين السودانيين.