في مشهد غير مسبوق، تتكشف ملامح مرحلة انتقالية بالغة الخطورة في إيران، تفقد فيها تدريجيا ما تبقى من غطائها السياسي والدبلوماسي، في وقت يحكم به الحرس الثوري قبضته على مفاصل القرار كافة.
ووفق قراءة تحليلية قدمها الإعلامي عبد العزيز الخميس خلال حديثه إلى "سكاي نيوز عربية"، تتقاطع مؤشرات الفراغ السياسي مع صعود غير مسبوق للقرار العسكري في إيران، في ظل تراجع واضح لدور النخبة السياسية.
ويرى الخميس أن المشكلة الكبرى في إيران تتمثل في وجود فراغ سياسي واضح، يقابله تفرد الحرس الثوري بالقرار العسكري، وهو ما أدى إلى انتقال مركز الثقل في إدارة الدولة من المؤسسات السياسية إلى المؤسسة العسكرية.
ويشير إلى أن السياسيين يختفون عن الساحة الواحد تلو الآخر، مما يفسح المجال أمام العسكريين ليصبحوا الجهة التي تدير وتقرر وتحدد طبيعة العلاقات، بما في ذلك تصنيف الأطراف بين عدو وصديق.
وفي هذا السياق، يلفت الخميس إلى أن "الحرس الثوري لم يعد مجرد فاعل مؤثر، بل أصبح الجهة التي تدير الأمور فعليا"، معتبرا أن ما يقال عن وجود قيادة ثلاثية لا يعكس الواقع، إذ إن "القرار النهائي بات بيد القيادات العسكرية المتشددة".
غطاء لهيمنة الحرس
ضمن هذا التحول، يتحدث الخميس عن إصرار الحرس الثوري على الدفع بمجتبى خامنئي مرشدا، موضحا أن هذا التوجه يستخدم كغطاء لتكريس تفرد السلطة.
ويذهب أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن "مجتبى نفسه رهينة لدى الحرس الثوري، والأخير هو من يدير حتى الخطاب السياسي على لسانه، مما يعكس عمق السيطرة العسكرية على مفاصل الحكم".
كما يبرز الخميس أن النموذج السابق الذي كان يقوم على توازن بين جناح سياسي وآخر عسكري قد انهار، مع تساقط الجناح السياسي، الأمر الذي عزز من احتكار الحرس الثوري لتوجيه الدولة وتحديد مسارها.
ويؤكد الخميس أن الضربات التي تستهدف القيادات السياسية الإيرانية تصب عمليا في مصلحة الحرس الثوري، إذ تضعف ما تبقى من القيادة السياسية وتمنح العسكريين مساحة أوسع للسيطرة.
ويرى أن "هذا الواقع أدى إلى حالة لا تجد فيها الولايات المتحدة طرفا يمكن التفاوض معه داخل إيران، بسبب غياب جهة تملك القرار، إضافة إلى حالة الخوف التي تطال الجميع".
انسداد أفق التفاوض
في ظل هذه المعطيات، يوضح الخميس أن الصوت السائد داخل إيران هو الصوت العسكري الانتقامي، مع غياب رغبة حقيقية لدى القيادات الفاعلة لعقد أي صفقة.
ويشير إلى أن هذا التوجه "يعكس رؤية قائمة على الانتقام، خاصة في ظل اعتبار المرشد السابق قائدا ومعلما للحرس الثوري".
كما يلفت إلى أن محاولات الوساطة، بما في ذلك تلك التي قادتها دول مثل سلطنة عمان وقطر، لم تعد قادرة على تحقيق اختراق، نتيجة غياب أدوات التنسيق بين المكونات السياسية والعسكرية داخل إيران.
ويستبعد الخميس سيناريو سقوط النظام الإيراني بفعل الضربات العسكرية الخارجية، مؤكدا أن "غياب معارضة منظمة قادرة على ملء الفراغ يجعل هذا الاحتمال غير واقعي"، لكنه في المقابل يحذر من أن الفوضى موجودة بالفعل وقد تتفاقم، خاصة مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية.
ويشير إلى أن "أي تغيير جذري لن يحدث إلا من خلال تحرك شعبي داخلي"، مستبعدا في الوقت ذاته خيار التدخل البري الأميركي أو الإسرائيلي، نظرا لتعقيد الجغرافيا الإيرانية وكلفة السيطرة.
سيناريوهان لمستقبل الحكم
يطرح الخميس تصورين لمستقبل النظام، الأول يتمثل في صعود نموذج انتقامي بقيادة مجتبى، مدعوم من الحرس الثوري، والثاني يقوم على احتمال التوصل إلى صفقة تحد من حجم الأضرار.
ويربط بين أي استقرار مستقبلي وقدرة النظام على تقديم مكاسب اقتصادية للمجتمع، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وتدمير البنية الاقتصادية والعسكرية.
وعلى المستوى الإقليمي، يشير الخميس خلال حديثه إلى أن الفوضى داخل إيران تحمل تداعيات تتجاوز حدودها، بما في ذلك احتمالات تدفق اللاجئين وتنامي الأنشطة غير المستقرة في المنطقة.
كما يؤكد أن استهداف دول الخليج يعكس توجها مرتبطا بالحرس الثوري، الذي يرى في هذه الدول هدفا مباشرا.
في المقابل، يبرز أن دول الخليج أظهرت قدرات دفاعية لافتة في مواجهة الهجمات، معتبرا أن ذلك يعكس تطورا في بناء القدرات العسكرية الوطنية، ويؤكد أهمية تعزيز منظومات الدفاع المشترك.