في خضم تصاعد التوترات العسكرية على الساحة اللبنانية، تتكشف ملامح أزمة مركبة تجمع بين التداعيات الإنسانية للحرب وتعقيدات القرار السياسي الداخلي.
فلبنان، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي، يواجه ضغوطا متزايدة على مستويين متوازيين: أمني وإنساني من جهة، وسيادي وسياسي من جهة أخرى.
وفي قراءة للوضع الراهن، يصف عضو البرلمان اللبناني ميشال دويهي المشهد اللبناني خلال حديثه الى سكاي نيوز عربية بأنه بالغ الخطورة، معتبراً أن البلاد دخلت حربا لم يخترها اللبنانيون، فيما تحاول الدولة بمؤسساتها السياسية التعامل مع تداعياتها في ظل ظروف معقدة وقدرات محدودة.
حرب لم يخترها اللبنانيون
يشير دويهي إلى أن الوضع في لبنان بات خطيرا ومقلقا ويدعو للخوف، موضحا أن اللبنانيين وجدوا أنفسهم فجأة داخل حرب لم يكن لهم قرار في خوضها. ويؤكد أن الدولة اللبنانية، رغم محاولاتها إدارة الأزمة، لم تكن هي الأخرى صاحبة قرار الدخول في هذه المواجهة.
ويرى أن لبنان يواجه عدوا شرسا، الأمر الذي يضع مؤسسات الدولة أمام اختبار صعب، خصوصا في ظل محدودية القدرة على التصدي السياسي الفوري لما يصفه بالعدوان الكبير على البلاد.
ويضيف أن الخوف أصبح شعورا عاما يسيطر على اللبنانيين، في وقت تتفاقم فيه التداعيات الإنسانية للحرب. فبحسب الأرقام الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، يقترب عدد النازحين من نحو 900 ألف شخص، معظمهم من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
هذا الرقم، وفق دويهي، يعكس حجم الضغط الهائل الذي يتعرض له لبنان، في ظل استمرار القصف وسقوط ضحايا مدنيين بينهم نساء وأطفال، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإنساني والأمني في آن واحد.
الدبلوماسية وحصر السلاح.. مساران متلازمان
في ظل هذه الظروف، يرى دويهي أن الخيارات المتاحة أمام الدولة اللبنانية محدودة، مشيرا إلى أن المسار الدبلوماسي يشكل أحد الأدوات الأساسية المتبقية أمامها. لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا المسار يجب أن يترافق مع حزم داخلي في ملف حصر السلاح بيد الدولة.
ويشير إلى مبادرة رئيس الجمهورية التي لقيت تفاعلا داخليا في لبنان، غير أن الدول المعنية بالملف لم تقدم حتى الآن ردا واضحا عليها، ما يزيد من صعوبة الوضع الذي يعيشه البلد.
وبحسب دويهي، فإن لبنان يقف اليوم في موقع شديد التعقيد، حيث يبدو وقف إطلاق النار أمرا بالغ الصعوبة في هذه المرحلة، فيما لا يزال الانتقال إلى مسار سلام بعيد المنال، رغم أن لبنان – كما يقول "يستحق السلام".
مسؤوليات داخلية مؤجلة
وفي معرض حديثه عن الأسباب الداخلية للأزمة، يوضح دويهي أن هناك خطوات لم تنفذ داخل لبنان كان ينبغي القيام بها في وقت سابق، إلى جانب الدعم المتوقع من أصدقاء لبنان.
ويشير في هذا السياق إلى قرارات صادرة عن مجلس الوزراء خلال العام الجاري تقضي باعتبار أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية، سواء نفذها حزب الله أو أي جهة أخرى، عمليات خارج إطار القانون وخارج منطق الدولة.
ووفق هذا التصور، يفترض أن تتولى القوى الأمنية الشرعية اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، مهمة ملاحقة الجهات التي تطلق الصواريخ من الأراضي اللبنانية ووقف هذه العمليات.
ويؤكد دويهي أن المطلوب ليس إرسال الجيش إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله، بل ممارسة دور الدولة عبر مطالبة الحزب بتسليم سلاحه، مع تعزيز انتشار المؤسسات الأمنية في مناطق التوتر، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.
جدل داخلي حول تنفيذ قرارات الدولة
ويكشف دويهي عن وجود نقاش سياسي واسع داخل لبنان حول أسباب التأخر في تنفيذ قرارات الحكومة، مشيرا إلى أن هذا الجدل يدور بين أحزاب وشخصيات سياسية مختلفة.
ويقول إن الخلاف يتمحور حول سلوك بعض الأجهزة الأمنية الشرعية، ولا سيما ما يتعلق بسرعة تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بمنع إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية.
ويؤكد أن المطلوب في هذه المرحلة ليس مواجهة عسكرية داخلية، بل اتخاذ موقف حازم يمنع إطلاق الصواريخ من لبنان ويؤكد سيادة الدولة على أراضيها.
وفي هذا السياق، يعتبر دويهي أن لبنان يحاول اليوم إثبات سيادته، في وقت يرى فيه أن الحرس الثوري الإيراني، من خلال حزب الله، فتح حربا على حساب لبنان واللبنانيين من دون أن يكون للبنانيين قرار في ذلك. ويصف موقع لبنان في هذه اللحظة بأنه صعب وخطير للغاية.
أولوية وقف النار قبل المحاسبة السياسية
وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها لبعض مواقف السلطة السياسية في لبنان، يشدد دويهي على أن الوقت الحالي ليس مناسبا لتوسيع دائرة السجال السياسي، معتبرا أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لحماية لبنان واللبنانيين.
ويؤكد أن الهدف العاجل يتمثل في انتزاع وقف إطلاق النار والانتقال مباشرة إلى مفاوضات السلام، كما طرح رئيس الجمهورية.
ويشير إلى أن المؤشرات التحذيرية كانت واضحة خلال العام الماضي، حيث جرى التحذير من أن التأخير في اتخاذ القرارات اللازمة ستكون له انعكاسات سلبية على لبنان، وهو ما حدث بالفعل بحسب قوله.
ومع ذلك، يرى دويهي أن محاسبة المسؤولين عن هذا التأخير يجب أن تتم لاحقا عبر المسار السياسي ومن خلال اللبنانيين أنفسهم.
نحو مرحلة جديدة في تاريخ لبنان
وفي ختام حديثه، يشير دويهي إلى وجود إجماع لبناني على ضرورة وقف الحرب والانتقال إلى مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.
ويقول إن لبنان يحتاج إلى فتح صفحة سياسية مختلفة وإعادة التفكير بدوره في الشرق الأوسط الجديد الذي تتشكل ملامحه حاليا.
ويضيف أن هذا التحول يتطلب شجاعة ووضوحا في الرؤية السياسية، إضافة إلى فهم التغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا الإطار، يؤكد أن السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان يتمثل في الالتفاف حول مؤسسات الدولة واحترام قرارات مجلس الوزراء، إلى جانب تفعيل الدور الدبلوماسي.
كما يشدد على أن الجيش والقوى الأمنية الشرعية يجب أن تتحمل مسؤولياتها، رغم محدودية الموارد والضغوط الناتجة عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ ست سنوات.
ويختم دويهي بالتأكيد أن الرهان يجب أن يبقى على الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعلى سيادة القانون، معتبرا أن الحل يبدأ بمنع إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية والانخراط في مفاوضات السلام، أملا في أن تكون الحرب الحالية آخر الحروب التي يشهدها لبنان.