في لحظة سياسية فارقة من تاريخ جنوب اليمن، أعلن اليوم السبت عن وفاة الرئيس علي سالم البيض، آخر رؤساء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، عن عمر ناهز 87 عاما.
ويأتي هذا الرحيل في وقت تشهد فيه المحافظات الجنوبية تصعيدا شعبيا هو الأوسع منذ سنوات، حيث تكتظ الساحات في عدن بمئات الآلاف من المتظاهرين المطالبين باستعادة الدولة، مما يضع رحيل هذه الشخصية التاريخية في سياق يمزج بين إرث الماضي وتعقيدات الحراك الميداني الراهن.
جذور النضال وبناء الدولة الوطنية
ولد علي سالم البيض في فبراير 1939 بمحافظة حضرموت، ونشأ في بيئة سياسية متوقدة تزامنت مع انحسار النفوذ الاستعماري في المنطقة.
وانخرط الراحل مبكرا في صفوف حركة القوميين العرب، ثم أصبح أحد الكوادر الميدانية والسياسية البارزة في الجبهة القومية التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني.
ومع نيل الجنوب استقلاله في 30 نوفمبر 1967، برز البيض كواحد من القيادات الشابة التي تولت مهام بناء مؤسسات الدولة الوليدة.
وعلى مدى عقدين من الزمن، تدرج البيض في مناصب رفيعة داخل الحزب الاشتراكي اليمني، عاصر خلالها التحولات الأيديولوجية الكبرى والصراعات الداخلية التي عصفت بالنظام في عدن، وصولا إلى أحداث 13 يناير 1986 الدامية.
ومن رحم تلك الأزمة، صعد البيض إلى منصب الأمين العام للحزب ورئيسا للدولة، ليقود الجنوب في مرحلة اتسمت بالاضطراب الاقتصادي العالمي ونهاية الحرب الباردة، وهي الظروف التي دفعته لاتخاذ قراره التاريخي بالتوجه نحو الوحدة مع الشمال.
من حلم الوحدة إلى واقع الصدام
يظل يوم 22 مايو 1990 العلامة الأبرز في مسيرة البيض، حين وقع مع الرئيس علي عبد الله صالح اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية.
غير أن هذا الحلم القومي سرعان ما تحول إلى أزمة سياسية طاحنة بدأت بوادرها في عام 1993، حيث اتهم البيض نظام صنعاء بمحاولة تهميش الجنوب وإفراغ الوحدة من محتواها التشاركي.
وبعد أشهر من الاعتكاف في عدن، أعلن البيض في 21 مايو 1994 فك الارتباط وقيام "جمهورية اليمن الديمقراطية"، وهو الإعلان الذي أعقبته حرب صيف 1994 التي انتهت بدخول القوات الشمالية إلى عدن ونزوح البيض ومئات القيادات الجنوبية إلى المنفى.
قضى البيض قرابة 15 عاما في صمت سياسي فرضته ظروف اللجوء في سلطنة عمان، إلا أن اندلاع "الحراك الجنوبي" في عام 2007 كحركة احتجاجية حقوقية، أعاده إلى الواجهة مجددا.
وفي خطاب تاريخي عام 2009، أعلن البيض دعمه الكامل للمطالب الشعبية بفك الارتباط، منتقلا بالقضية الجنوبية من سياق المظالم الحقوقية إلى سياق المطالبة السياسية باستقلال الجنوب، وهو الموقف الذي ثبّت صورته كأب روحي للحراك الشعبي المعاصر.
نعي رسمي بصبغة نضالية
وفي أعقاب إعلان الوفاة، سادت حالة من الحزن الرسمي والشعبي في الجنوب، حيث أصدر عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بيان نعي مؤثر عكس المكانة التي يحتلها الراحل في الوجدان السياسي الجنوبي.
وأكد الزبيدي في بيانه أن الجنوب فقد بوفاة البيض "هامة وطنية ورمزا تاريخيا كبيرا"، واصفا إياه بأنه "ركن من أركان الحركة الوطنية الجنوبية، وقائد عاش مناضلا صلبا، لم يساوم يوما على حق شعب الجنوب في استعادة دولته".
وأشار الزبيدي إلى أن التاريخ سيحفظ للرئيس الراحل "شجاعته الاستثنائية في أصعب الظروف، وانحيازه الدائم لإرادة الجماهير"، معتبرا أن البيض فضل "حياة النضال والتشرد على القبول بالظلم".
ولم يخل البيان من الرسائل السياسية الموجهة للداخل والخارج، حيث شدد الزبيدي على التزام المجلس الانتقالي بمواصلة السير على النهج الذي ناضل من أجله البيض حتى تحقيق أهداف شعب الجنوب في الاستقلال، متقدما بأحر التعازي لأسرة الفقيد وللشعب الجنوبي قاطبة.
تقاطع الرحيل مع الحراك الشعبي 2026
لا يمكن فصل رحيل البيض عن المشهد الميداني الملتهب في جنوب اليمن اليوم. فمنذ مطلع يناير 2026، تشهد المدن الجنوبية موجة احتجاجات غير مسبوقة مدفوعة بتدهور الأوضاع المعيشية وانسداد الأفق السياسي.
ويرى مراقبون أن وفاة البيض في هذا التوقيت تمنح الحراك الشعبي "زخما معنويا" جديدا، حيث يتم استدعاء صورته كقائد ضحى بمنصبه كفرد في سبيل ما رآه مصلحة لوطنه.
مستقبل القضية الجنوبية بعد البيض
يرحل علي سالم البيض تاركا وراءه مشهدا سياسيا معقدا، حيث يتداخل إرثه الشخصي مع تطلعات جيل جديد يطالب بالاستقلال.
وبينما يجادل خصومه السياسيون بأن قراراته في 1990 و1994 كانت تتسم بالاندفاع، يراه أنصاره في الميادين اليوم القائد الوحيد الذي امتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ التاريخي والانحياز مجدداً لخيار الشعب.
ويمثل غياب البيض في يناير 2026، وسط هذا الحراك العارم، نهاية حقبة "الرعيل الأول" من صناع الاستقلال والوحدة، لكنه في الوقت ذاته يجدد التساؤلات حول مآلات الوضع في اليمن.
فبينما يودع الجنوبيون رئيسهم السابق، تبدو الشعارات المرفوعة في الساحات أكثر تمسكا بالنهج الذي اختتم به البيض حياته السياسية، مما يشير إلى أن تأثيره سيظل حاضرا كأيقونة محركة للأحداث القادمة، وليس مجرد ذكرى في صفحات التاريخ.