تشهد محافظة حلب تصعيداً لافتاً في المشهدين الأمني والسياسي، عقب إعلان الجيش العربي السوري عدداً من المواقع شرق المدينة مناطق عسكرية مغلقة، ومطالبته عناصر تابعة لقوات سوريا الديمقراطية بمغادرتها.
هذا التطور، الذي يأتي بعد انسحاب قسد من حلب، أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل اتفاق 10 مارس، وحدود السيطرة والنفوذ بين دمشق وقسد، واحتمالات انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع في غرب وربما شرق الفرات.
خلفيات إعلان المناطق العسكرية المغلقة
يوضح الكاتب والباحث السياسي بسام السليمان، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أن إعلان الجيش لهذه المناطق لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق تطورات ميدانية متسارعة أعقبت انسحاب قسد من حلب.
فبحسب السليمان، بدأت قسد بعد الانسحاب بعمليات قصف لمدينة حلب باستخدام طائرات إيرانية من طراز “مهاجر 6” انطلقت من منطقة دير حافر، ما شكل تهديدا مباشرا للأمن داخل المدينة.
ويضيف أن قسد أقدمت أيضا على قطع المياه عن حلب، في ظل سيطرتها على محطة ضخ تغذي المدينة من نهر الفرات، ما فاقم منسوب التوتر، واعتبر ضغطا مباشرا على الدولة السورية.
إلى جانب ذلك، تم رصد استقدام أعداد كبيرة من المقاتلين والأسلحة من مناطق الحسكة، من بينهم، وفق السليمان، فلول للنظام السوري كانت قسد قد استقطبت الآلاف منهم سابقا، وبدأ بعضهم بالظهور في تسجيلات مصورة ملوحين بالوصول مجددا إلى الساحل وتهديد العمق السوري.
دوافع التحرك العسكري السوري
أمام هذه المعطيات، يشرح السليمان أن الجيش السوري دفع بعدد كبير من الكتائب والألوية العسكرية إلى محيط المناطق المعلنة، في إطار تطويق أي “عمل مجنون” محتمل من جانب قسد، ردا على ما وصفه بـ”الخسارة المذلة” التي منيت بها في حلب.
ويرى أن الهدف الأساسي من هذا الانتشار هو منع التصعيد وضبط المشهد قبل خروجه عن السيطرة، وليس الذهاب نحو مواجهة مفتوحة بالضرورة.
قسد.. تعدد التيارات وأزمة القرار
في تحليله لأسباب التصعيد، يستبعد السليمان اختزال المشهد في عامل واحد، مشيرا إلى أن قسد ليست كتلة متجانسة، بل تضم تيارات متعددة ومتباينة.
من أبرز هذه التيارات، بحسب وصفه، تيار مرتبط بإيران على أساس طائفي، يقوده جميل بايق ويتمركز في السليمانية، وهو تيار اعتاد، وفق السليمان، التسبب بإرباك داخل قسد ككل.
إلى جانب ذلك، تتألف قسد من تيار قومي متعصب، وتيارات عربية انضمت إليها خلال المرحلة الاستثنائية التي مرت بها سوريا.
هذا التعدد، من وجهة نظر السليمان، أفقد قسد القدرة على اتخاذ قرار موحد، وهو ما يفسر عدم تقدمها بخطوات جدية لتنفيذ اتفاق الـ10 من مارس، رغم مرور الوقت، الأمر الذي كان من شأنه تجنيب حلب وسوريا عموما صدامات وصفها بالمكلفة على جميع السوريين.
من المناوشة إلى خطر الصدام
يشير السليمان إلى أن الواقع الحالي يتسم بمناوشات وقصف متبادل، محذرا من أن هذا المسار التصاعدي قد يقود إلى صدام كامل في مناطق غرب الفرات، وربما يمتد إلى شرق الفرات، في حال استمر غياب القرار الموحد لدى قسد، وتعدد الحسابات داخلها.
في المقابل، يركز السليمان على مسألة الانضباط داخل الجيش السوري والأجهزة الأمنية، معتبرا أن هذا العامل يشكل عنصرا حاسما في مسار الأحداث.
فطالما بقي الجيش، بحسب تعبيره، عند هذا المستوى من الانضباط، فإنه يستعيد أو يفرض سيطرته على مناطق سورية بشكل شرعي.
ويستحضر السليمان تجارب سابقة، لافتاً إلى أن دخول الجيش إلى الساحل السوري، وكذلك ما جرى في السويداء، شابهما وجود أفعال غير منضبطة، وصفها بأنها لا يمكن توصيفها بالوطنية ولا بالإنسانية، وكانت سببا في أزمات كبيرة.
في المقابل، يرى أن ما جرى في حلب اتسم بعملية منضبطة راعت حياة المدنيين، حيث جرت إعادتهم فور تأمين المنطقة، ما يعكس، وفق رأيه، أداءً مؤسساتيا للدولة.
العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة
يربط السليمان مستقبل التصعيد بمجموعة عوامل داخلية وخارجية. داخليا، يتوقف المسار على مدى استجابة قسد، وعلى مستوى انضباط الجيش والأجهزة الأمنية، معتبرا أن زيادة الانضباط تمنح صورة أقرب إلى “جيش دولة”، ما يفتح المجال أمام قبول دولي أوسع بتقدمه.
أما خارجيا، فيضع الولايات المتحدة وتركيا في صدارة العوامل المؤثرة. ويشير إلى أن واشنطن، حتى الآن، لا تبدي مشكلة بدخول الدولة السورية إلى مناطق قسد غرب الفرات، في حين لا تظهر مؤشرات مشابهة شرق الفرات.
كما يصف الدور التركي بالحاسم، انطلاقا من اعتبار أنقرة لقسد تهديدا لأمنها القومي، ولأن مناطق شمال سوريا تمثل عمقا حيويا لتركيا، التي لن تسمح بتدخلات إقليمية فيها، سواء من إسرائيل أو غيرها.
البعد الإقليمي والدولي
على الصعيد السوري، ينقل السليمان ما يصفه بوجهة نظر الحكومة السورية، التي اضطرت، بحسب بعض المسؤولين، إلى الدخول إلى حلب نتيجة ما اعتبرته ابتزازا من قسد، عبر قصف الأحياء وتعطيل الحياة الاقتصادية في “العاصمة الاقتصادية” للبلاد. وبعد خروج قسد، استمر القصف وإثارة المشكلات، ما دفع الدولة إلى إرسال قواتها.
إقليميا ودوليا، يرى السليمان أن المنطقة تشهد اصطفافا بين أطراف تسعى إلى زعزعة الاستقرار ودعم الانقسامات، وأطراف أخرى ترفض أي تقسيم أو تدخل في الشؤون الداخلية للدول.