صباح الخامس والعشرين من ديسمبر 2025، بينما كانت الأجراس تقرع في كنائس العالم، كانت طائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني تحصد أرواح مصلين تجمعوا للاحتفال في قرية جلود بجبال النوبة، جنوب كردفان.
31 شخصا بين قتيل وجريح، في مكان لم يكن ثكنة عسكرية ولا موقع اشتباك، بل كان تجمعا دينيا في يوم عيد، في منطقة يشكل المسيحيون نحو 45 بالمئة من سكانها.
وقبل أسابيع فقط من تلك الحادثة، تحديدا في نوفمبر 2025، وفي المنطقة نفسها، استهدفت طائرتان مسيّرتان مركزا صحيا في منطقة كومو بمقاطعة هيبان.
مكان يقصده طلاب المدارس لتلقي العلاج، غالبيتهم من أبناء الطائفة المسيحية.
وتقول سيدة لـ"سكاي نيوز عربية": "أنا مواطنة أعيش هنا في منطقة كومو. أتيت ومعي بعض الجيران والأصدقاء بغرض العلاج، وفجأة من دون مقدمات تعرضنا لقصف بواسطة طائرة مسيّرة. لم نعرف كيف نتصرف لهذا هربنا من المكان، كما أصيب عدد المواطنين المتواجدين حول المستشفى لإصابات وأيضا تعرض بعض الطلاب ممن يتلقون العلاج بالمستشفى إلى إصابات، وعندما حاول بعض الناس إسعاف الطلاب ونقلهم عبر السيارات تم قصفهم مرة أخرى بالمسيّرات، مما أدى الى مقتل عدد كبير من الطلاب والمواطنين".
كما حصلت "سكاي نيوز عربية" على شهادة مكتوبة من والدة الطفلة مارثا، التي قتلت في القصف، علما أن الأم رفضت الظهور أو استخدام صوتها.
وجاء بها: "هرعنا إلى مكان الانفجار، ولم أتخيل أن ابنتي ستكون بين الضحايا. وجدت جثتها في الساحة خارج المركز الصحي. علمت لاحقا أنها شعرت بالتوعك في المدرسة وحصلت على إذن طبي لزيارة المركز. كنت أعتقد أنها ما تزال في المدرسة".
وبحسب إحصائية أصدرتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، ارتفع عدد القتلى في قصف كومو إلى 46 شخصا، من بينهم 19 طالبا وطالبة و8 أطفال، بينما بلغ عدد الجرحى 22.
ما حدث في جبال النوبة لم يبق محصورا في إقليم بعينه، بل هو جزء من نمط ممنهج يمتد إلى المدن.
ففي السودان، حيث تدور حرب منذ أبريل 2023، تعيش أقلية دينية أخرى حربها الخاصة، وما يجري اليوم ليس بداية القصة بل فصل جديد من مسار طويل من التضييق.
ويقول جاتيكا أموجا دلمان القيادي بالحركة الشعبية - جبال النوبة، لـ"سكاي نيوز عربية": "منذ وصول الحركة الإسلامية للسلطة عام 1989، بدأ التضييق على المسيحيين والكنائس وتفريغها من الطلاب ودفعهم شمالا نحو معسكرات النزوح، حيث يعاد إنتاجهم داخل المشروع الإسلاموعروبي".
ما تغير عبر السنوات لم يكن طبيعة الاستهداف، بل أدواته، ففي الماضي كانت القيود تفرض بالقوانين وبالمنع وبإغلاق دور العبادة.
فعلى مدى أكثر من 3 عقود، لم تصادق الدولة السودانية رسميا على بناء أي كنيسة، إذ يعود آخر تصريح رسمي إلى عام 1987.
وفي 2020، أعلنت الحكومة الانتقالية الموافقة على بناء 14 كنيسة، في خطوة وصفت آنذاك بأنها محاولة لتصحيح مسار طويل من التقييد، لكن هذه الموافقات لم تر النور بسبب الانقلاب العسكري.
ويقول وزير الشؤون الدينية والأوقاف في الحكومة المدنية الانتقالية السابقة نصر الدين مُفرّح لـ"سكاي نيوز عربية": "كان ذلك آخر ما بدا كأنه مسار مختلف، لكنه لم يكتمل".
في 25 أكتوبر 2021، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة الانتقالية، بدعم من التيار الإسلامي الذي حكم السودان لثلاثة عقود، ومع عودة العسكر عاد الإسلاميون إلى مفاصل الدولة، خصوصا الأجهزة الأمنية ولجان الولايات.
ويضيف دلمان: "منذ نظام البشير وإلى الآن ما زال عملية الاستهداف لدور العبادة للمسيحين مستمرة".
وبعد أقل من عامين، دخل السودان مرحلة أكثر دموية.
في 15 أبريل 2023 اندلعت الحرب الجارية، ولم تعد أدوات التضييق قرارات إدارية ولا قيودا قانونية، بل تحولت إلى عنف مباشر، وقصف من الجو، وترهيب في المدن.
ويكمل مُفرّح: "هذا المناخ أسهم في تآكل الحدود بين الحرب والسياسة والدين".
وبحسب مسؤولين سابقين ومصادر محلية، وفرت الحرب بيئة مواتية لتحرك الجماعات المتطرفة، بعيدا عن الرقابة والمساءلة.
ويضيف مُفرّح: "لم يتوقف الاستهداف عند القصف ولا مناطق القتال، بل امتد إلى دور العبادة".
هدمت 13 كنيسة في الخرطوم ومناطق أخرى، منذ سيطرة الجيش السوداني على المدينة في مارس 2025، وتسببت هذه العمليات في تهجير أكثر من 35 ألف مسيحي من العاصمة وحدها.
وأوضحت المصادر أن عمليات الهدم نفذت بواسطة لجنة أمن ولاية الخرطوم، التي يهيمن عليها إسلاميون وفلول من النظام السابق، ويترأسها والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة.
وتقول سيدة من جبال النوبة مقيمة في الخرطوم: "رحلونا لغرب السودان ونحن نعود لمحاربة النوبة (العبيد). لماذا لم يتم هدم منطقة اللؤلؤة؟ هل لأن منطقة اللؤلؤة يسكنها العرب؟".
وجرى الهدم بذريعة إزالة السكن العشوائي، رغم أن الكنائس المستهدفة كانت قائمة وتواصل أداء شعائرها الدينية، رغم بساطة بنائها.
لكن الهدم لم يكن الشكل الوحيد للاستهداف، ففي مدينة بورتسودان، حيث انتقلت الحكومة وقيادة الجيش بعيدا عن جبهات القتال، ظهرت رسائل مختلفة في الشكل، متطابقة في المعنى.
قبيل أعياد الميلاد، كتبت عبارات دينية بالطلاء الأحمر على جدران كنيستين من أقدم دور العبادة المسيحية في المدينة.
وقال شاهد عيان لـ"سكاي نيوز عربية"، طلب عدم الكشف عن هويته: "في ذلك اليوم شاهدت سيارة بيضاء اللون تقف أمام الكنيسة، ترجل منها شخص لفحص المكان وعاد مجددا إلى السيارة وتحركت السيارة على الفور، وبعد تحرك السيارة لاحظت أن هناك كتابة بالطلاء على الحائط كاملا، وهذا يرجع إلى أن مدينة بورتسودان عقب الحرب امتلأت بعدد كبير من الكيزان (اللفظ الذي يطلقه السودانيون على الإخوان) والمجاهدين وأفراد مدنيين يحملون أسلحة يقومون بالتكبير والتهليل. أصبحنا خائفين من الوضع تماما، لأن قبل الحرب كانت بورتسودان آمنة تماما ولا توجد مشاكل، والعلاقات الطيبة كانت تسود المجتمع بأكمله، لأننا جميعا نعرف بعضنا البعض. لا نعرف إلى ماذا سيفضي بنا هذا الوضع؟".
الحادثتان وقعتا في وضح النهار وسط السوق، وقرب مركز للشرطة ومبان حكومية، ورغم توقيت الحادثتين وموقعهما المركزي، لم تتخذ السلطات المحلية، بما فيها أجهزة الأمن، أي إجراءات معلنة لحماية الكنائس أو فتح تحقيقات.
وتشير مصادر محلية إلى أن هذه الحوادث وقعت في ظل نفوذ متزايد لعناصر إسلامية مرتبطة بالنظام السابق، تعمل داخل الأجهزة الأمنية ولجان الولايات.
تقدر أعداد المسيحيين في السودان بنحو مليوني شخص، أي قرابة 4 بالمئة من السكان، وفقا لآخر إحصائية معلنة، ويعكس واقعهم نمطا ممنهجا من تقييد الحريات الدينية، خصوصا في عهد الحكم الإسلامي وتيار الإخوان.
ورغم التحسن النسبي خلال الفترة الانتقالية، فإن الانقلاب العسكري المدعوم من الإسلاميين، ثم الحرب، أعادا ملف الحرية الدينية إلى دائرة القلق وعدم اليقين.
مسيحيو السودان أقلية دينية وجدت نفسها في قلب صراع لم تختره، بين حرب تقودها المؤسسة العسكرية ضد فصيل خرج من رحمها، ونفوذ إسلامي عاد ليتغلغل في مفاصل الدولة تحت غطاء الصراع.
لم يعد الخطر في الانتماء السياسي، ولا في موقع الجبهة، بل في الإيمان نفسه، وفي الحق في ممارسته.