تشهد العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية مرحلة حاسمة، في ظل ظرف إقليمي ودولي حساس يضع استقرار سوريا على رأس الأولويات.
وتحاول دمشق معالجة التوتر الراهن عبر تأكيد سيطرة الدولة على كامل أراضيها، مع التركيز على ملف قسد ودمجها في الجيش السوري، الذي يُعد من أبرز الملفات الشائكة.
وقد توج الحوار بين الطرفين باتفاق مارس الماضي بين الرئيس السوري وقائد قسد، فيما تستمر المفاوضات الأخيرة في دمشق لتنفيذه. من جانبها، تؤكد قسد استعدادها للاندماج ضمن الجيش السوري الجديد، مع الحفاظ على هويتها ودورها في الحرب ضد تنظيم داعش، وفق الاتفاق المبرم.
العوائق الجوهرية أمام الاندماج
دخلت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مرحلة مفصلية، وفق تحليل الكاتب والباحث السياسي بسام السليمان.
وأوضح السليمان في حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية أن هذه الجولة لم تسجل أي تقدم ملموس، وأن محاولات المماطلة والاستطراد في التفاصيل كانت السمة البارزة للقاءات، مع استمرار وفد قسد بالتأكيد على وجود نقاشات مع أطراف أخرى في مناطق مختلفة.
أوضح السليمان أن الخلاف الأساسي يكمن في أن تياراً قوياً داخل قسد لا يؤمن بالدولة السورية، ويعتبر نفسه مناضلا منذ نحو 40 إلى 50 عاماً لإنشاء دولة كردية مستقلة، ما يجعل أي اندماج سياسي أو أمني مع الدولة السورية محل جدل كبير. وأضاف أن ما يتم تناوله في الاجتماعات ما هو إلا تفاصيل فرعية ومحاولات للتغطية على هذه الحقيقة الجوهرية.
العروض السورية وردود قسد
كشف السليمان عن آخر مسودة قدمتها الدولة السورية، والتي تضمنت تنازلات كبيرة، حيث عرضت على قسد دمج ثلاث فرق عسكرية مع السماح لها بالبقاء في مناطقها تحت حماية قواتها، مع السماح للدولة بالدخول إلى بعض المناطق مثل الرقة ودير الزور لضمان الأمن.
وأكد السليمان أن قسد رفضت هذه المقترحات، بينما التيار الأكثر تشدداً داخلها، الذي يرفض الاعتراف بالدولة السورية، هيمن على المشهد، رغم مطالبة أوجلان للاندماج.
الضغوط الدولية والأفق المقبل
وأشار السليمان إلى أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا على قسد، لكن هذه الضغوط لم تحقق استجابة فعلية. ورأى أن الدولة السورية ستدخل مرحلة هجينة جديدة، تعتمد على أدوات ضغط متعددة، تشمل أوراق سياسية وأمنية ومجتمعية، لاستدراج قسد نحو تفاوض أكثر جدية.
لكنه استدرك بأن هذا السيناريو يبقى مفتوحاً، وإذا فشلت المرحلة الهجينة، فإن الحل العسكري سيكون الخيار الأخير، حيث ستفرض قسد هذا الخيار على الدولة السورية.
التحديات الداخلية والخارجية
أوضح السليمان أن التنظيم داخل قسد يعاني من خلافات داخلية، ويسيطر على مناطق غالبية سكانها من المكون العربي الغير داعم له، وهو تنظيم عنصري قوميا.
وأشار إلى إمكانية تحرك سياسي لعزله، بالإضافة إلى مقاربة أمنية أو نصف عسكرية مشتركة مع تركيا، لمواجهة تهديداته، بما يحفظ الأمن الإقليمي ويضغط على قسد لإعادة النظر في خياراتها.
في ضوء هذه المعطيات، يرى السليمان أن الدولة السورية تمتلك أدوات ضغط متعددة، ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة هجينة بين التفاوض والعمل العسكري، مع بقاء ملف قسد مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة تعتمد على توازن القوى الداخلي والخارجي.
سوريا بعد اتفاقية مارس.. تحديات بناء الثقة
تواجه سوريا منذ سقوط النظام تحديات مستمرة في إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، وفق ما أكده مدير مركز رامان للبحوث والاستشارات بدر ملا رشيد، خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية.
وأوضح رشيد أن عملية بناء الثقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) واجهت منذ البداية عراقيل متعددة، بدءًا من التسرع في خطوات الاتفاقية وصولاً إلى الضغوط الداخلية والخارجية التي أحاطت بالملف.
ضغوط ما بعد الاتفاقية وتأثير الأطراف الإقليمية
وأشار رشيد إلى أن الضغط على قسد بدأ منذ أيام ما بعد اتفاقية مارس، لافتًا إلى الدور السلبي الذي لعبه المبعوث الأميركي توم براك، الذي لم يقدم صورة واضحة حول موقف الولايات المتحدة تجاه الانخراط الكامل لقسد مع الحكومة المركزية.
كما أبرز التهديد التركي المستمر والزيارات المتبادلة بين المسؤولين السوريين والأتراك، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد.
وأضاف أن التهديدات المجتمعية والتحركات العشائرية، إضافة إلى المناوشات في شمال حلب، أسهمت جميعها في تراجع فرص الاتفاق أو بناء الثقة بين الأطراف.
التوازن الأمني المحلي والإقليمي وموقف الإدارة الذاتية
ولفت رشيد إلى أن عدم الانخراط العسكري المباشر حتى الآن يعكس عقلانية كل من قسد والحكومة السورية، رغم وجود عوامل معقدة تشمل أحداث السويداء والساحل، والربط التركي بعملية السلام، والوجود الأميركي في مناطق سيطرة قسد.
وأوضح أن الإدارة الذاتية تضم مكونات متنوعة، بينها الأكراد والسريان والآشوريون، ما يجعل الحوار السياسي داخليًا أكثر تعقيدًا، ويستدعي تدخل مؤسسات سورية حكيمة لإعادة النظر في العقد الاجتماعي والسياسات الميدانية.
سيناريوهات الانخراط السياسي مقابل المواجهة العسكرية
وشدد رشيد على أن أي مواجهة عسكرية بين الحكومة السورية وقسد لن تكون لصالح أي طرف، وأن استمرار العقلانية، إلى جانب الدور الأميركي والتوازن الأمني الإقليمي، يتيح إمكانية تطوير مسار سياسي متدرج يراعي مصالح جميع الأطراف.
وأكد أن مسألة الانخراط السياسي تتطلب استعداد الحكومة لتقديم تنازلات مدروسة واستقبال وفود الإدارة الذاتية والمجالس المدنية، بما يعيد إطلاق الحوار الوطني السوري بشكل شامل ومتوازن.
وفي ختام تحليله، اعتبر رشيد أن الملف السوري يرتبط بالملفات الإقليمية الكبرى، بما في ذلك إيران والعراق ولبنان، وأن أي خطوة نحو التصعيد العسكري ستكون نتيجة ضغوط خارجية أكثر منها قرارات داخلية، مؤكدًا أن العقلانية المشتركة بين دمشق وقسد هي الضمانة الأساسية للحفاظ على استقرار المشهد السوري في المرحلة الراهنة.