في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بندرة المياه وتداعيات التغير المناخي، يظل البحث عن نماذج تنموية مبتكرة ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات البيئية والاقتصادية المتسارعة.
ومع تزايد الضغوط على الموارد المائية التقليدية، يبرز الاقتصاد الأزرق كأحد المسارات الواعدة لإعادة تعريف أمن المياه عالمياً، عبر توظيف الابتكار والتكنولوجيا والتمويل المستدام في إدارة الموارد البحرية، وتحويلها من مصدر هشّ إلى رافعة رئيسية للتنمية المستدامة.
في هذا السياق، يشهد أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، منتدى الاقتصاد الأزرق، وهو المنتدى الذي يعد منصة عالمية تُعقد بالشراكة مع اتحاد رجال الأعمال الصينيين الدوليين وتركز على عدة قضايا، أهمها:
- أمن المياه.
- التمويل المستدام..
- الابتكار في الاقتصاد الأزرق.
ويركز المنتدى الذي انطلق تحت شعار "انطلاقة متكاملة نحو المستقبل" على تحفيز الجهود في قطاعات الطاقة والتمويل والتكنولوجيا والمجتمعات بما يواكب متطلبات المستقبل والعمل على تحويل الطموحات إلى حلول عملية وقابلة للتطبيق في القطاعات المختلفة.
الابتكار في الاقتصاد الأزرق
يعيد الابتكار في الاقتصاد الأزرق صياغة العلاقة بين الإنسان والبحار، عبر تحويل الموارد المائية من مصدر مهدد بالاستنزاف إلى ركيزة استراتيجية للأمن المائي العالمي، مستنداً إلى تقنيات متقدمة في التحلية الذكية، وإعادة استخدام المياه، وإدارة النظم الساحلية بكفاءة أعلى وأثر بيئي أقل.
ويدفع توظيف التكنولوجيا في القطاعات البحرية نحو حلول غير تقليدية لأزمة ندرة المياه، من خلال الاعتماد على الطاقة المتجددة في تحلية مياه البحر، وتطوير أنظمة استشعار رقمية لرصد جودة المياه وحمايتها من التلوث، بما يضمن استدامة الإمدادات المائية للدول الساحلية والداخلية على حد سواء.
كما يعزز الابتكار في الاقتصاد الأزرق قدرة الدول على التكيف مع التغير المناخي، عبر حماية النظم البيئية البحرية مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف، التي تلعب دورًا محوريًا في تنقية المياه الطبيعية، وتخفيف آثار الفيضانات، ودعم دورة المياه على المستويين المحلي والعالمي.
ويؤسس هذا المسار المبتكر لنموذج تنموي متكامل يربط بين أمن المياه، والأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي، إذ يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار وخلق فرص العمل، ويحوّل البحار من مناطق هشّة إلى منصات مستدامة تساهم في تحقيق الاستقرار المائي حول العالم.
وفي سياق الابتكار في الاقتصاد الأزرق، ذكر تقرير صادر عن المنتدى الخامس للأمم المتحدة للمحيطات العام الماضي أنه:
- يمكن أن تؤدي مواءمة سياسات التجارة والاستثمار مع الحفاظ على المحيطات إلى دفع النمو الاقتصادي والمرونة.
- يعد خفض الانبعاثات في الشحن ومصايد الأسماك أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة للدول الجزرية الصغيرة التي تتكيف مع تغير المناخ.
- يمكن للذكاء الاصطناعي وبيانات التجارة البحرية الطازجة وحلول الاقتصاد الدائري أن تعزز الاستدامة والفرص الاقتصادية.
كما يشير التقرير إلى الحاجة الملحة لسد فجوة استثمارية سنوية قدرها 145 مليار دولار في قطاعات المحيطات المستدامة.
وتهدف فرقة عمل مقترحة تابعة للأمم المتحدة إلى فتح سوق الأعشاب البحرية الذي تبلغ قيمته 17 مليار دولار وتعزيز القطاعات البحرية المستدامة.
أداة استراتيجية
في هذا السياق، يقول الخبير في شؤون المناخ والحوكمة المائية، حمدي حشاد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الابتكار في الاقتصاد الأزرق ليس خيارًا ترفيهيًا.. إنه أداة استراتيجية لضمان الحق في الماء في ظل التحديات المناخية المتفاقمة..
- منطقة البحر المتوسط تُعد من أكثر مناطق العالم تضررًا من ندرة المياه، نتيجة تراجع معدلات التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الطلب بفعل السياحة والزراعة والنمو الحضري الساحلي.
- دول جنوب وشرق المتوسط باتت تنظر إلى تأمين المياه بوصفه مسألة أمن قومي وتنموي في آن واحد.
ويشير إلى أن الاقتصاد الأزرق المبتكر يقدّم حلولًا تتجاوز المقاربات التقليدية، من خلال إدارة ذكية ومستدامة للموارد البحرية، مؤكدًا أن الابتكار الأزرق يشكّل رافعة حقيقية لأمن المياه في المنطقة.
ويضيف أن من أبرز هذه الحلول تحلية مياه البحر باستخدام الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية والرياح، وهو خيار حاسم لدول تعاني من شح الموارد المائية العذبة، حيث يسهم الابتكار في خفض الكلفة الطاقية والحد من البصمة الكربونية.
كما يلفت إلى أهمية إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة الساحلية عبر تقنيات متقدمة تقلل الفاقد وتحسن جودة الموارد المتاحة.
ويتابع حشاد أن التقنيات الذكية لمراقبة النظم الساحلية والبحرية باتت تلعب دورًا محوريًا في تتبع التلوث، ورصد تسرب المياه المالحة إلى الموائد الجوفية، وفهم تأثيرات تغيّر المناخ على الموارد المائية، إلى جانب الحلول المستندة إلى الطبيعة مثل استعادة الأراضي الرطبة الساحلية، التي تعمل كإسفنج طبيعي لتنقية المياه وتخزينها وحماية السواحل.
ويؤكد في معرض حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن البحر المتوسط يشكّل مختبرًا مثاليًا للابتكار المشترك بين دول الشمال والجنوب، عبر نقل التكنولوجيا والمعرفة، وتمويل مشترك لمشاريع المياه الساحلية، وإشراك البلديات الساحلية والجامعات والقطاع الخاص في حوكمة مائية مبتكرة وقريبة من المواطن.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن أمن المياه في المتوسط مرتبط مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، موضحًا أن الابتكار في الاقتصاد الأزرق لا يعزز فقط صمود الاقتصادات الساحلية، بل يخلق فرص عمل محلية، ويقلص التوترات المرتبطة بندرة المياه، ويدعم العدالة في النفاذ إلى هذا المورد الحيوي.
دور الذكاء الاصطناعي
ويشير تقرير سابق للمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن:
- محيطات الأرض تُعد بالغة الأهمية للكوكب وسكانه، ولكنها أيضاً بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي.
- على الرغم من أن العديد من الاقتصادات التي تركز على المحيطات تترك بصمة بيئية كبيرة، إلا أنها قد تساعد في بناء مستقبل أكثر استدامة.
- يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسد الفجوة بين عمليات المحيطات الصناعية التقليدية والاقتصاد الأزرق المستدام المزدهر.
ويشير التقرير إلى أن "مستقبل محيطاتنا، والصناعات العاملة فيها، يتوقف على قدرتنا على الابتكار والتكيف.. ويوفر الذكاء الاصطناعي الركيزة الذكية التي نحتاجها، مما يسمح لنا بتأمين المساهمات الاقتصادية لأصولنا البحرية الضخمة مع توجيهها نحو أفق أكثر استدامة وازدهاراً".
ويضيف: "من خلال تعزيز الابتكار المشترك، نضمن استمرار هذه الصناعات في دعم الاحتياجات العالمية وسبل العيش، بل وتصبح شريكًا فاعلًا في الحفاظ على البيئة البحرية وإنعاشها"، مردفاً: "إنها رحلة مليئة بالتحديات، ولكن مع الذكاء الاصطناعي كمرشد لنا، فإنها تعد بمحيط أكثر صحة واقتصاد أزرق أكثر استدامة للأجيال القادمة".
ركيزة أساسية
بدوره، يشير الخبير البيئي تحسين الشعلة، في حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- "الاقتصاد الأزرق يشكّل أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة عالميًا، من خلال الاستخدام الرشيد للموارد البحرية بما يدعم النمو الاقتصادي، ويوفر فرص العمل، ويعزز الأمنين الغذائي والمائي، مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية.
- يشمل هذا المفهوم قطاعات متعددة، أبرزها الصيد المستدام، الشحن البحري، السياحة الساحلية، الطاقة المتجددة البحرية، وعلوم المحيطات، في إطار توازن دقيق بين الاستغلال الاقتصادي وحماية البيئة.
- يسهم الاقتصاد الأزرق بنحو 2.5 تريليون دولار سنويًا في الاقتصاد العالمي، ويوفر سبل العيش لأكثر من 3 مليارات شخص.
- يبرز الشحن البحري كعمود فقري للتجارة العالمية، إذ يستحوذ على أكثر من 80 بالمئة من حركة التجارة الدولية، فيما تمثل الأسماك والمأكولات البحرية مصدرًا رئيسيًا للبروتين لأكثر من مليار إنسان، ما يعزز الأمن الغذائي العالمي.
- تلعب الابتكارات التكنولوجية دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الأزرق، عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، وأدوات رصد المحيطات، التي تسهم في تحسين إدارة المصايد، ومراقبة التلوث، والحد من المخاطر البيئية.
- تبرز تجارب دول مثل النرويج في الطاقة البحرية المتجددة، وجزر المالديف في السياحة المستدامة، كنماذج ناجحة في هذا المجال.
ويضيف: في المقابل، يواجه الاقتصاد الأزرق تحديات جسيمة، من بينها التغير المناخي، وارتفاع منسوب البحار، والصيد الجائر، والتلوث البلاستيكي الذي يضخ سنويًا أكثر من 8 ملايين طن من النفايات إلى المحيطات. ويستدعي ذلك تعاونًا دوليًا فعالًا واستراتيجيات مستدامة لإدارة الموارد البحرية.
وينبه إلى شراكات الاقتصاد الأزرق المستدام التي تبرز كمسار عملي لبناء اقتصاد بحري يتسم بالاستدامة والمرونة والعدالة. وتشمل هذه المشاريع أدوات متقدمة للتخطيط المكاني البحري القائم على النظم البيئية، وإنتاج غذاء بحري مستدام، وتوظيف التطبيقات الرقمية، وتعظيم كفاءة استخدام البنية التحتية البحرية. كما تركز على تقليل فاقد الأسماك.
وتمتد المبادرات إلى الحد من الضوضاء البحرية، وتطوير الجزر العائمة متعددة الاستخدامات، وتعزيز مرونة تربية المحاريات في مواجهة تغير المناخ، إضافة إلى توسيع استزراع الطحالب البحرية لدعم الأمن الغذائي وحيادية الكربون.
وتشمل الجهود أيضًا دمج الطاقة المتجددة البحرية، وتحسين استدامة تربية الأحياء المائية، وتطوير بيانات دقيقة للتخطيط المكاني، وإنشاء منصات مبتكرة للأغذية والأعلاف البحرية. وتعكس هذه الشراكات التزامًا دوليًا بمواءمة النمو الاقتصادي مع حماية النظم البحرية، لضمان استدامة الموارد للأجيال المقبلة.