شهدت أسواق النفط العالمية صدمة قوية خلال الأسبوع الأول من مارس، مع تصاعد حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، مما دفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023 بعد أن ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي بنسب قياسية، وسط مخاوف متزايدة من تعطل الإمدادات العالمية، لا سيما في مضيق هرمز الحيوي.

مع هذا التصعيد، بدأت الأسواق تعيد تسعير المخاطر، ليس على المستوى الجيوسياسي فقط، بل أيضاً على صعيد العمليات التشغيلية للإنتاج والنقل.

في ضوء هذه الأجواء المتوترة، تتجه الأنظار إلى قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام ارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة، وسط احتمالات بأن يصل الخام إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 150 دولار للبرميل، ما قد يترتب عليه تبعات مباشرة على الأسواق والمستهلكين على حد سواء.

أخبار ذات صلة

التشويش العسكري في حرب إيران يربك حركة السفن العالمية
واشنطن: البحرية الأميركية ستواكب السفن عبر مضيق هرمز قريبا

تطور أسعار النفط

ارتفعت أسعار النفط بنحو 30 بالمئة في الأسبوع الأول منذ بداية حرب إيران، تحت وطأة تصاعد المخاوف جراء الإمدادات، لتسجل أعلى مستوى منذ 2023.

كانت أسعار العقود الآجلة خام برنت قد أنهت تعاملات فبراير عند مستوى 72.48 دولاراً للبرميل، لترتفع بعد ذلك بنسبة نحو 28 بالمئة في الأسبوع الأول من مارس، لتصل عند تسوية تعاملات نهاية الأسبوع إلى 92.69 دولار للبرميل.

أما العقود الآجلة للخام الأميركي، فقد قفزت من 67.02 دولار للبرميل نهاية الأسبوع الماضي، إلى 90.90 دولار للبرميل نهاية هذا الأسبوع، مسجلة مكاسب بنحو 35.6 بالمئة (أكبر مكسب في تاريخ تداول العقود الآجلة منذ عام 1983).

  • في 2 مارس (التعاملات الأولى بعد بدء التصعيد العسكري في المنطقة): ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي عند التسوية لتبلغ عند التسوية 71.23 دولار للبرميل. كما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت لتبلغ عند التسوية 77.74 دولار للبرميل.
  • في اليوم التالي (3 مارس) ارتفع الخام الأميركي إلى 74.56 د/ب عند التسوية، كما صعد خام برنت إلى 81.40 د/ب عند التسوية.
  • في 4 مارس استقر خام برنت عند 81.40 د/ب عند التسوية، وارتفع الخام الأمركي إلى 74.66 د/ب.
  • في 5 مارس ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية مسجلة 85.41 دولار للبرميل، كما ارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي 81.01 دولار للبرميل.
  • وفي جلسة نهاية تعاملات الأسبوع، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي إلى 90.90 دولار للبرميل، وصعدت العقود الآجلة لخام برنت مسجلة 92.69 دولار للبرميل.

وطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إيران بالاستسلام غير المشروط، مما أثار مخاوف من حرب طويلة الأمد قد تُلحق أضراراً بالغة بسوق النفط والغاز العالمية. وذلك بعد أن أدت الحرب إلى شلّ حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي لإمدادات الطاقة.

أخبار ذات صلة

هل ينجو الاقتصاد الأميركي من تداعيات الحرب في إيران؟
مدير وكالة الطاقة الدولية يحذر أوروبا من العودة للغاز الروسي

ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، قوله في وقت سابق، بأن أسعار النفط الخام قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل في الأسابيع المقبلة إذا لم تتمكن ناقلات النفط من المرور عبر مضيق ملقا. وأضاف الكعبي أن هذا قد "يؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم".

وأعلنت إدارة ترامب يوم الجمعة عن برنامج إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار لناقلات النفط في الخليج، على الرغم من أن هذا الإجراء لم يساهم إلا قليلاً في تهدئة سوق النفط الخام.

أخبار ذات صلة

قطر تحذر: الحرب قد توقف صادرات الطاقة الخليجية خلال أسابيع
بلومبرغ: قطر تعرض تأجير ناقلتي غاز على الأقل

نيران الصراع

تقول أستاذة الاقتصاد والطاقة الدكتورة وفاء علي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • السؤال الأبرز في ظل الحرب الدائرة يتمثل في كيفية تماهي الأسواق مع الأحداث تحت نار الصراع.
  • أسواق النفط والغاز تبدو وكأنها قرأت ما بين السطور وبدأت تسعير نفسها في نطاق خارج عن السيطرة بعد أن تجاوزت الأسعار مستوى 90 دولارًا للبرميل بالنسبة للنفط.
  • علاوة المخاطر فرضت كلمتها مدفوعة بذعر جيوسياسي واضح، ما يعكس أن الأسواق قامت بالفعل بتسعير مخاطر تعثر الإمدادات بصورة فعالة.
  • الصراع الحالي لم يعد مجرد توتر عابر بل تحول إلى ما يشبه نسف معادلة الطاقة العالمية، حيث أصبحت علاوة المخاطر عنصرًا هيكليًا في بنية تسعير النفط.

وتضيف أن الواقع على الأرض يكشف عن شلل جزئي في الإنتاج النفطي (..) لافتة إلى أن حالة "القوة القاهرة" باتت تهيمن على المشهد في أسواق الطاقة.

وتشير إلى أن إطالة أمد الصراع ترسم ملامح مستقبل جديد لأمن الطاقة العالمي، في ظل ارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات النفطية، واصفة ما يحدث بأنه أشبه بزلزال اقتصادي يضرب الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع بقاء نحو خُمس إنتاج النفط العالمي رهين تكدس الناقلات أمام الممر المائي لمضيق هرمز.

وتؤكد أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد خلاف سياسي، بل يمثل إعادة تشكيل شاملة للمشهد الطاقوي العالمي ولموازين القوى الاقتصادية. وتشدد على أن سوق النفط ليس كأي سوق آخر، بل هو سوق مترابط شديد الحساسية للتطورات الجيوسياسية.

وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن:

  • الأسواق تعيش لحظة محورية تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية لتطال شظاياها مختلف الأسواق العالمية، وعلى رأسها أسواق الطاقة، ما يعيد رسم الخرائط الجيوسياسية.
  • الأسواق باتت تسعر السيناريوهات الكارثية المحتملة وليس الوقائع فقط. فبعدما كان الحديث يدور حول فائض في المعروض أصبح العالم يتحدث اليوم عن اختناقات سلاسل الإمداد وتعطلها، في ظل حالة من "الذهول السعري" تقودها المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، الذي كانت تعبره في أوقات الذروة ناقلة نفط كل ست دقائق، وهو ما يجعل النفط اليوم يسعّر الحرب بقفزات حادة.

تسعير المخاطر والاضطرابات التشغيلية

ونقل تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية عن رئيسة قسم أبحاث السلع العالمية في بنك جيه بي مورغان، ناتاشا كانيفا، قولها في مذكرة للعملاء:

  • "السوق تتحول من تسعير المخاطر الجيوسياسية البحتة إلى التعامل مع الاضطرابات التشغيلية الملموسة".
  • تخفيضات الإنتاج قد تصل إلى 6 ملايين برميل يومياً بنهاية الأسبوع المقبل إذا لم يُفتح مضيق تايوان أمام حركة الملاحة.

ونقل تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن كبير المحللين في شركة غلوبال ريسك مانجمنت، آرني راسموسن، قوله إن السوق تقلل من تقدير المدة المحتملة للحرب، مضيفاً أن هناك "تأثير كرة الثلج" حيث استيقظ المتداولون على المخاطر.

ضغوط تضخمية

يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • أسعار النفط تجاوزت بالفعل مستوى 90 دولاراً للبرميل.
  • هذه الارتفاعات تأتي في وقت حذّر فيه وزير الطاقة القطري من أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يؤثر في إنتاج بعض الدول المصدّرة، ما يضغط على الإمدادات العالمية على المدى المتوسط والطويل.
  • ثمة احتمالات كبيرة بأن تتجاوز أسعار النفط مستوى 100 أو حتى 110 دولارات للبرميل.

ويشدد على أن ارتفاع  في أسعار النفط يزيد الضغوط التضخمية، موضحاً أنه فيما يتعلق بالاقتصاد الأميركي فإن الأسواق بدأت بالفعل في إعادة تسعير توقعاتها لقرار الفيدرالي، إذ تراجعت رهانات المستثمرين على ثلاثة تخفيضات للفائدة خلال عام 2026 إلى احتمال تنفيذ تخفيضين فقط، مع ترجيح أن يكون أول خفض في شهر سبتمبر.

ويشير يرق إلى أنه من وجهة نظره قد لا يشهد العام أي خفض للفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية، خاصة مع تراجع بيانات سوق العمل الأخيرة بنحو 92 ألف وظيفة، ما يضع الفيدرالي أمام معضلة حقيقية بين كبح التضخم والحفاظ على توازن سوق العمل.

مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي

ويبيّن أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال دخول الاقتصاد الأميركي في مرحلة "الركود التضخمي"، أي ارتفاع التضخم بالتزامن مع ضعف النمو الاقتصادي. ووفق تقديراته، فإن استمرار أسعار النفط والغاز عند المستويات المرتفعة الحالية قد يضيف ما بين 0.3 و0.9 بالمئة إلى معدلات التضخم في الولايات المتحدة، بينما قد يصل التضخم إلى نحو 4 بالمئة إذا ارتفعت أسعار النفط إلى حدود 120 دولارًا للبرميل.

كما يشير إلى أن الضغوط بدأت تظهر بالفعل على المستهلك الأميركي، حيث يبلغ سعر جالون البنزين حاليًا نحو 3.35 دولار، محذرًا من أن ارتفاعه إلى ما بين 3.50 و4 دولارات سيشكل عبئاً اقتصادياً وسياسياً، خاصة على إدارة دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية.

ويختم يرق بالقول إن العامل الحاسم في كل هذه السيناريوهات يبقى مدة الحرب واتساعها، مرجحاً أن تكون حربًا طويلة ذات طابع استنزافي، ما سيضع البنوك المركزية عالمياً، خصوصاً الفيدرالي الأمريكي، أمام اختبار صعب في إدارة السياسة النقدية، في ظل قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية.

توقعات

وقال بنك باركليز، في تقرير يوم الجمعة، إن ⁠خام برنت قد يبلغ مستوى 120 دولارا للبرميل إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط لعدة أسابيع أخرى.

وأضاف باركليز "قد تبدو هذه الأرقام مرتفعة للغاية، خاصة في ظل التشاؤم السائد بشأن توقعات سوق النفط مع بداية هذا العام، لكننا نؤكد مجددا ⁠أن العوامل ‌الأساسية أقوى والمخاطر أكبر من الصراع ⁠بين روسيا وأوكرانيا، عندما شهدنا هذه المستويات تتحقق"، وفق التقرير الذي نشرته رويترز.

وأفاد ⁠باركليز ​بأن كميات النفط العالقة على ناقلات النفط في خليج المكسيك ارتفعت بنحو 85 مليون برميل منذ بدء الصراع، مضيفا أن مخاطر ارتفاع أسعار النفط لا تزال تميل نحو الزيادة.

البيت الأبيض: نعمل على خطة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز