يعتقد كثيرون أن القرارات المالية التي يتخذها الأفراد دائماً ما تُبنى على الأرقام والمنطق والتحليل العقلاني، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو عليه، حيث أثبت علم الاقتصاد السلوكي أن عقل الإنسان قد يمارس خدعاً إدراكية تدفع الأفراد إلى اتخاذ خيارات، تتناقض مع مصالحهم عند التعامل مع المال.
ففي كثير من الأحيان قد لا يكون الخطأ المالي الذي يقع فيه الإنسان نتيجة نقص في المعلومات التي يمتلكها، بل في الطريقة التي يعالج بها دماغه هذه المعلومات، إذ يمكن لعقولنا أن تختصر الطريق، وأن تبحث عن إجابات سريعة، وأن تتأثر بالانطباعات والمخاوف والتوقعات، وهذا ما يجعلنا نرى الأمور بطريقة مختلفة عن حقيقتها.
ولتوضيح كيف يمكن للعقل أن يخدعنا في قراراتنا المالية، تظهر هذه الفكرة بوضوح من خلال مجموعة من الأمثلة الواقعية تم نقلها من عدة مواقع وهي، الرابطة الاقتصادية الأميركية American Economic Association وBehavioral Insights Team لأبحاث السلوك والتطبيقات المالية، إضافة إلى قسم السلوك التنظيمي والقرارات المالية في Harvard Business Review، ووكالة DEXSTA Federal Credit Union للخدمات المصرفية.
- فخ "المحاسبة الذهنية" في الإنفاق اليومي
يتعامل الإنسان مع الأموال بطرق مختلفة بناءً على مصدرها لا قيمتها الحقيقية. فعندما يحصل الشخص على مكافأة مالية غير متوقعة، فإنه غالباً ما يُسرف في إنفاقها ببساطة على كماليات لا يحتاجها، بينما يتعامل بحذر شديد مع راتبه الأساسي الذي بذل جهداً كبيراً في اكتسابه. عقلانياً، الدولار هو الدولار بغض النظر عن مصدره، ولكن العقل يقسم الأموال في خانات وهمية تدفعنا لسوء الإدارة المالية.
- تأثير السعر المرجعي في عادات الشراء
عندما يذهب المستهلك لشراء جهاز إلكتروني، ويجد إعلاناً يشير إلى انخفاض سعره من ألف دولار إلى خمسمائة دولار، فإن عقله غالباً ما يتخذ السعر الأول كنقطة مرجعية للمقارنة، فيشعر بأنه حصل على صفقة استثنائية ووفر مبلغاً كبيراً، متجاهلاً السؤال الأهم المتمثل بـ "هل هذا الجهاز يستحق فعلاً خمسمائة دولار؟". وهنا يظهر تأثير خدعة عقلية تُعرف باسم "تأثير المرساة"، حيث يتحول الرقم الأول الذي نراه إلى مرجع يؤثر في طريقة تقييمنا للصفقة، وقد يدفعنا أحياناً إلى اتخاذ قرار شراء لم نكن لنتخذه لو ركزنا فقط على القيمة الحقيقية للمنتج.
- "نفور الخسارة" في الأسواق الاستثمارية
في عالم الاستثمار، تشير الأبحاث السلوكية إلى أن ألم خسارة مبلغ مالي يعادل ضعف الفرحة بتحقيق نفس المكسب. ونتيجة لذلك، عندما تنخفض قيمة سهم يملكه المستثمر، يرفض بيعه بخسارة طفيفة وينتظر لشهور أو سنوات على أمل التعافي (رغم غياب أي مؤشرات إيجابية)، وذلك تجنباً لشعور تأكيد الخسارة، حيث غالباً ما ينتهي هذا الوضع بتحمّل المستثمر لخسائر فادحة كان يمكن تجنبها لو تعامل العقل مع الموقف بمنطق حيادي.
- الإصرار على الاستثمار الخاطئ
يقع العقل أحياناً في وهم التمسك بالخيارات الخاطئة لمجرد أنه أنفق فيها أموالاً في الماضي. فمنطقياً، يجب أن يعتمد أي قرار مالي جديد على ما يمكن أن يحققه من فوائد وتكاليف مستقبلية، لا على ما تم إنفاقه سابقاً. ولكن العقل يجد صعوبة في تقبل فكرة التخلي عن مشروع متعثر أو التوقف عن إصلاح سيارة أصبحت عبئاً مالياً، لأنه يرى في ذلك اعترافاً بأن الأموال السابقة ذهبت سدى. وبدلاً من تقليل الخسائر، يستمر الشخص في ضخ المزيد من الأموال في خيار لم يعد مجدياً، ليتحول الأمر إلى نزيف مالي يصعب إيقافه.
- "سلوك القطيع" والخوف من تفويت الفرصة
في كثير من الأحيان، يتخلى العقل عن التحليل المالي المستقل للأسواق بمجرد رؤية الاندفاع الجماعي نحو أصل معين، سواء كان عقاراً أو سلفات مالية أو أسهم، حيث يولّد الدماغ انحيازاً نفسياً يوهم الفرد بأن "الجميع لا يمكن أن يكونوا على خطأ"، ليتحول الشراء إلى استجابة للانفعال والخوف من تفويت الأرباح القادمة، وهو ما يدفع الأفراد للشراء غالباً عند ذروة الأسعار وقبل الهبوط الحاد للأسواق.
- انحياز مفرط للتفاؤل
يميل عقل الإنسان بطبيعته إلى توقع الأفضل والنظر إلى المستقبل بتفاؤل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القرارات المالية. وهذا الانحياز للتفاؤل قد يدفع الأفراد إلى إنفاق كامل دخلهم، مع افتراض استمرار تدفق الأموال بالوتيرة نفسها، متجاهلين احتمال حدوث ظروف طارئة أو تغيرات غير متوقعة. وبالتالي، فإنه عندما تقع أزمة أو هزة اقتصادية مفاجئة، يجد البعض أنفسهم أمام واقع لم يستعدوا له، من دون وجود احتياطي مالي يوفر لهم الحماية.
تضليل غير متعمّد
وتقول الدكتورة هيلغا علاء الدين أستاذة علم النفس في جامعة بيروت العربية، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه عندما نتحدث عن الخداع الذي يمارسه العقل، فمن المهم أن نوضح أن الدماغ لا يحاول تضليلنا عمداً، بل يعمل بالطريقة التي تطور بها، فدماغ الإنسان صُمم ليضمن سرعة الاستجابة وكفاءة اتخاذ القرار، وليس لتحقيق الدقة المطلقة في كل موقف، ولهذا يعتمد على ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ"الاختصارات الذهنية" أو "التحيزات الإدراكية"، وهي آليات تسمح لنا باتخاذ مئات القرارات يومياً دون استنزاف مواردنا العقلية، إلا أن هذه الآليات نفسها قد تقودونا إلى ارتكاب أخطاء متكررة عندما نتعامل مع المال، لأن القرارات المالية غالباً ما تتطلب تحليلاً هادئاً يتجاوز الانطباع الأول.
إيجابيات وسلبيات
وتشرح علاء الدين، أن إيجابيات "التحيزات الإدراكية" التي ينتجها العقل البشري هي أنها تتيح لنا إدارة حياتنا اليومية بكفاءة عالية ودون التفكير المفرط في كل تفصيلة صغيرة، أما السلبيات فتظهر في المجال المالي، حيث تتسبب هذه التحيزات أو الاختصارات في إحداث "تشوه في تقييم المخاطر" بما يجعل الاستجابة العاطفية أسرع من التفكير المنطقي، ما يعني أن القرارات المالية تُبنى على الانفعال أكثر من الحقائق.
وبحسب علاء الدين فإنه عندما يتوقع الإنسان تحقيق ربح، ينشط نظام المكافأة في الدماغ ويزداد إفراز الدوبامين، ما يعزز الشعور بالحماس والرغبة في المخاطرة، في المقابل تؤدي احتمالات الخسارة إلى تنشيط أنظمة مرتبطة بالتوتر والخوف، مثل ارتفاع نشاط الأدرينالين والكورتيزول، وهو ما قد يدفع الفرد إلى قرارات عاطفية، كبيع الأصول بدافع الذعر أو الشراء بدافع الطمع، رغم أن أياً من القرارين قد لا يكون مدعوماً بتحليل منطقي.
استغلال الثغرات النفسية
وتشير علاء الدين، إلى أن تأثير هذه الآليات على طريقة عمل دماغ الإنسان لا يقتصر على القرارات الاستثمارية، بل يمتد أيضاً تفاصيل الحياة اليومية، حيث يدرك مصممو الإعلانات التجارية في المتاجر هذه الثغرات النفسية ويستغلونها من خلال مخاطبة الانتباه والعاطفة، واستخدام الألوان والرسائل العاجلة والخصومات لإثارة استجابات نفسية سريعة، ولهذا السبب قد يعتقد المستهلك الذي يقوم بالتسوّق أنه اتخذ قراراً مستقلاً عندما ينجذب إلى عرض معين، بينما الحقيقة تكون أن البيئة المحيطة به قد صُممت مسبقاً للتأثير في عقله وتوجيهه نحو منتج معين.
مواجهة خدع العقل
وتشرح علاء الدين، أنه من الناحية العلمية فإن التخلص من "التحيزات الإدراكية" أمر غير ممكن، ولكن ما يمكن فعله هو التقليل من تأثيرها، حيث أنه كلما أبطأ الإنسان عملية اتخاذ القرار، منح القشرة الدماغية المسؤولة عن التفكير التحليلي فرصة أكبر لتقييم الخيارات، لافتة إلى أن تدريب الأفراد على التعرف إلى "الانحيازات المعرفية" لا يقل أهمية عن تعليمهم مبادئ الادخار والاستثمار، إذ يصبح الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الخدع التي يمارسها عقله، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مالية أكثر توازناً على المدى الطويل.
عقلك يبحث عما يوافقه
من جهتها تقول محللة سلوك المستهلك وفاء الخطيب، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن أحد أهم أسباب وقوع الأفراد في أخطاء مالية، لا يرتبط فقط بطريقة عمل الدماغ، بل أيضاً بالطريقة التي يتعلمون بها التعامل مع المال منذ الصغر، إذ أن الكثير من القرارات المالية تتشكل وفقاً لتجارب سابقة ومعتقدات شخصية، أكثر مما تتشكل وفق قواعد اقتصادية موضوعية، مشيرة إلى أن المشكلة تظهر عندما تتحول التجارب الشخصية إلى قواعد عامة، فالشخص الذي حقق ربحاً سريعاً في استثمار معين قد يعتقد أنه يمتلك قدرة خاصة على التنبؤ بالأسواق، بينما قد يكون ما حدث مجرد نتيجة لظروف مؤقتة أو حظ استثنائي، وبالمقابل فإن من مرّ بتجربة خسارة قد يصبح أكثر خوفاً من المخاطرة حتى عندما تكون الفرصة مدروسة ومنطقية.
وتؤكد الخطيب أن الإنسان يميل أحياناً إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد أفكاره وقناعاته، وهي ظاهرة تُعرف في علم النفس المعرفي باسم "الانحياز التأكيدي"، حيث يولي الفرد اهتماماً أكبر للبيانات التي تتوافق مع رأيه، بينما يقلل من أهمية المعلومات التي تتعارض معه، حيث تكمن خطورة هذا الانحياز في أنه يمنح الإنسان شعوراً زائفاً بأنه يتخذ قراراً مبنياً على الأدلة، في حين أن الحقيقة هي أنه يتخذ قراراً يدعم وجهة نظره.
ابحث عن الرأي الآخر
وترى الخطيب أن أفضل طريقة للتعامل مع خداع العقل هي أن يقتنع الفرد بأهمية البحث عن المعلومات المخالفة لرأيه، ومراجعة افتراضاته بشكل موضوعي، والنظر إلى الصورة الكاملة قبل اتخاذ أي قرار مالي، لأن القدرة على تغيير الرأي بناءً على معطيات جديدة ليست علامة على الخطأ، بل دليل على تفكير أكثر عقلانية ومرونة.