في خضمّ موجة من التقلّبات الحادة تضرب الأسواق المالية العالمية منذ اندلاع النزاع المسلح في أواخر فبراير الماضي، تشقّ الأسهم الصينية طريقها بثبات لافت، مسجّلةً أداءً متفوّقاً على نظيراتها العالمية لم يشهد له السوق مثيلاً منذ أغسطس 2025.
فبينما أثقلت أسعار النفط المرتفعة كاهلَ الاقتصادات المستوردة للطاقة، وتراجعت مؤشرات الأسهم في كوريا الجنوبية واليابان والهند بأكثر من 10 بالمئة، اكتفى المؤشر الصيني بالتراجع 4.1 بالمئة فحسب خلال الفترة ذاتها — وهو أداء لافت لدولة تُعدّ أكبر مستورد للنفط في العالم.
لماذا الصين تحديداً؟
يرى المحللون، بحسب وكالة بلومبرغ نيوز، أن ثمة عوامل بنيوية تجعل الصين أكثر صموداً في مواجهة صدمات النفط، في مقدّمتها احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة التي تكفي لتغطية نحو ستة أشهر من واردات الشرق الأوسط في أسوأ السيناريوهات، فضلاً عن توسّعها المتسارع في قطاع الطاقة المتجددة.
وقد عكس هذا التفوّق نفسه عبر فئات الأصول المختلفة، إذ تراجع اليوان نحو 0.6 بالمئة أمام الدولار، غير أنه تفوّق على معظم العملات الآسيوية الرئيسية، فيما صمدت عوائد السندات الحكومية الصينية لأجل عشر سنوات في مواجهة موجة الارتفاع التي شهدتها نظيراتها الأميركية والألمانية والفرنسية.
وتقول آنا وو، استراتيجية الأصول المتعددة في شركة VanEck Associates، لوكالة بلومبرغ نيوز، إن "أسهم السوق الصيني من الفئة A قد تحظى بتفضيل استراتيجي متزايد مقارنةً بسائر الأسواق، في ضوء ما تُبديه السياسة الاقتصادية من ثبات ومرونة متصاعدَين".
تحوّل في نظرة المستثمرين
حتى قبل اندلاع الأزمة، كانت ثمة علامات انفراج واضحة في المشهد الصيني. فقد أسهمت التقدّمات المتحقّقة في مجال الذكاء الاصطناعي، وانحسار التوترات التجارية مع واشنطن، والتراجع عن حملات التضييق التنظيمية، في إعادة بناء ثقة المستثمرين. وتواصل الأسهم الصينية تداولها بخصم يبلغ نحو 20 بالمئة مقارنةً بمؤشرMSCI العالمي على أساس مضاعفات الأرباح.
وتكشف بيانات بنك أوف أميركا — التي استندت إلى تحليل محافظ 2,486 صندوقاً تدير ما قيمته 575 مليار دولار — أن تخصيصات الصناديق النشطة طويلة الأمد في الأسهم الصينية بلغت مستوى المحايد قياساً بالمؤشر المرجعي للمرة الأولى منذ عام 2022.
وأشار نايجل تابر، كبير استراتيجيي الأسواق في بنك أوف أميركا، إلى أن هذه الصناديق قلّصت تخفيض وزن الصين في محافظها خلال الأشهر الستة الماضية.
الانكماش يتراجع.. والأرباح في الأفق
يرصد المحللون تأثيراً غير مباشر لارتفاع أسعار الطاقة، إذ قد يُسهم في انتشال الصين من فخ الانكماش بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، مما يُنعش أرباح الشركات ويدفع الأسهم إلى الارتفاع.
ويزيد من زخم هذه الصورة أن نشاط المصانع عاد إلى التوسّع في مارس للمرة الأولى هذا العام، حيث ارتفع مؤشر مديري المشتريات الرسمي للتصنيع إلى 50.4 نقطة مقارنةً بـ49 نقطة في فبراير.
حذر مشروع وسط التفاؤل
بيد أن التفاؤل لا يخلو من تحفّظات. يرى جوشوا كراب، رئيس قسم أسهم آسيا والمحيط الهادئ في شركة Robeco بهونغ كونغ، أن "أسهم السوق الصيني "الفئة A" تبدو أقل عرضة للخطر في المدى القريب، نظراً للاحتياطيات الاستراتيجية الضخمة والاعتماد الأدنى على المستثمرين الأجانب"، مؤكداً أنها ستواصل أداء دور الملاذ الدفاعي طالما استمرت الحرب وبقيت أسعار النفط مرتفعة — "لكن المخاطر موجودة على المدى البعيد".
في السياق ذاته، نبّه بنك غولدمان ساكس إلى مخاطر الركود التضخمي العالمي، وارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، وتعزّز الدولار، وعلاوة المخاطر الممتدة. ورغم ذلك، أبقى البنك على تصنيفه الإيجابي "أوزان زائدة" للأسهم الصينية، وإن خفّض مستهدفاته لمؤشريMSCI الصيني وCSI 300 بنسبة 5 بالمئة و4 بالمئة على التوالي، مع الإشارة إلى إمكانية تحقيق عوائد تصل إلى 24 بالمئة و12 بالمئة.
أما بنك (بي إن بي باريبا) BNP Paribas الفرنسي، فيرى أن توقعات استمرار النزاع تدفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة جديدة. ويقول ويليام براتون، رئيس أبحاث الأسهم النقدية للمنطقة الآسيوية في البنك، إن "الأسهم الصينية ستثبت جاذبيتها المتصاعدة من هذا المنظور"، مع تفضيل قطاعات المواد الخام والصناعات والتكنولوجيا على المدى المتوسط والبعيد، والحذر من قطاعات الاستهلاك.