في خضم تقلبات الأسواق العالمية، تبدو صورة الملاذات الآمنة في تغير مستمر، حيث العملات التي كانت تعتبر حصوناً صلبة ضد الحروب والأزمات، لم تعد تضمن نفس الأمان الذي اعتاد عليه المستثمرون.
الدولار الأميركي سجّل العام الماضي أكبر خسارة سنوية منذ 2017، فيما بلغ مستوى التشاؤم بين مدراء صناديق الاستثمار تجاهه أعلى مستوى خلال أكثر من عقد، وسط تساؤلات حول جاذبية الأصول الأميركية.
الين الياباني أيضاً لم يكن بمنأى عن الضغوط، مسجلاً تراجعاً تجاوز 8 بالمئة منذ انتخاب رئيسة الوزراء الجديدة في أكتوبر، نتيجة السياسات المالية التوسعية.
في المقابل، برز الفرنك السويسري كملاذ آمن شبه وحيد، مدعوماً باستقرار سياسي، وديون منخفضة، واقتصاد متماسك، ما دفعه للارتفاع بنحو 13 بالمئة العام الماضي، ويواصل هذا العام وصوله إلى أعلى مستوياته خلال 11 عاماً.
السؤال اليوم: من سيظل الملاذ الآمن في عالم يتسم بالتقلب؟
صعود وهبوط العملات: ديناميكيات 2026
كشف طارق الرفاعي، المدير التنفيذي لمركز كوروم للبحوث، خلال لقاءه مع برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، عن رؤية معمّقة لأداء العملات الرئيسية في 2026.
وأوضح الرفاعي أن العملات الثلاثة التي تُعد ملاذًا آمنًا عالميًا هي الدولار الأميركي، الين الياباني، والفرنك السويسري، مع ملاحظة تغيّرات ملحوظة في قيمتها خلال الأشهر الستة الأخيرة وحتى العام الماضي، خصوصًا الدولار والين.
وأوضح الرفاعي أن الدولار شهد ارتفاعًا قويًا في 2022، تلاه تراجع ملحوظ، ما أدى إلى تقلبات حادة مقابل العملات الأخرى، وهي حالة مماثلة للين الذي تجاوز سعره 150 ين مقابل الدولار، محققًا مستويات لم نشهدها منذ عقود، مع تقلبات تاريخية اعتُبرت سابقًا مناسبة للمضاربة.
الدولار: سيادة مستمرة رغم الضغوط
تناول الرفاعي الضغط السياسي على الدولار، مؤكّدًا أنه غير فعال على المدى الطويل نظرًا لأن الدولار لا يزال العملة الأساسية للعالم، كما أن العديد من العملات، خاصة في دول الخليج، مرتبطة بالدولار. وأشار إلى أن أي تغييرات محتملة في السياسات النقدية لهذه العملات لن تكون مستدامة، رغم أن المستثمرين الأجانب بدأوا يغيرون استثماراتهم ويبيعون الأصول الأميركية متجهين نحو دول أقل مخاطر سياسية.
الين الياباني: هشاشة في وجه ارتفاع الفائدة
وصف الرفاعي النظرة المستقبلية للين الياباني بأنها سلبية للغاية، مشيرًا إلى الوضع الحرج الذي تمر به اليابان، خاصة بعد فترة طويلة من أسعار الفائدة الصفرية أو السالبة. وأضاف أن أي ارتفاعات جديدة في سعر الفائدة تجعل الين حساسًا جدًا، في ظل الديون المرتفعة للحكومة اليابانية، ما يضع البنك المركزي الياباني في موقف صعب. وخلص إلى توقع استمرار انخفاض الين مقابل العملات الأساسية خلال السنة الحالية وربما السنوات القادمة.
الفرنك السويسري يتفوق على الدولار
أكد طارق الرفاعي خلال حديثه أن أداء الفرنك السويسري جاء مفاجئاً هذا العام، مسجلاً أفضل سعر صرف مقابل الدولار تقريباً على مدى عقود. وأضاف أن آخر مرة شهد فيها السوق مستويات مماثلة كانت في عام 2011، لكنها كانت فترة قصيرة جداً استمرت لشهر أو أكثر قبل أن يتعافى الدولار مقابل الفرنك
وأشار الرفاعي إلى أن الفرنك السويسري شهد ارتفاعاً مستمراً طوال العام الماضي، مؤكداً أنه اليوم يعتبر الملاذ الآمن الأول بين جميع العملات العالمية. رغم ظهور حديث عن عملات أخرى محتملة كملاذات آمنة مثل اليورو والدولار السنغافوري، إلا أن الفرنك السويسري يظل العملة الأفضل حالياً
العملات الآسيوية: استخدام محدود كملاذ آمن
تطرق الرفاعي إلى استخدام العملات الآسيوية كملاذ آمن، محددًا ماليزيا وإندونيسيا، إضافة إلى بروناي التي تعتمد بشكل كبير على الدولار السنغافوري. وأكد أن هذه الدول تعتبر الفرنك السويسري والدولار السنغافوري وسيلة تحوط من تقلبات الأسواق العالمية، لكن نطاق استخدام هذه العملات محدود نسبيًا مقارنة بالدولار والفرنك.
تقلبات متسارعة وفرص استثمارية جديدة
وأشار الرفاعي في ختم حديثه إلى أن الأسواق ستشهد تقلبات شديدة في العملات خلال الفترة المقبلة، مع هيمنة مستمرة للدولار والفرنك السويسري كملاذ آمن، بينما يواجه الين الياباني تحديات هيكلية تعكس هشاشة اقتصاده في مواجهة أي تغيرات في أسعار الفائدة أو سياسات مالية جديدة. وأكد أن المستثمرين بحاجة إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية مع التركيز على العملات الأقل عرضة للتقلبات والمخاطر السياسية، وهو ما قد يخلق فرصًا جديدة في الأسواق الآسيوية والعملات الملاذية التقليدية.