يشهد قطاع التكنولوجيا في الأيام الأخيرة حالة من الانقسام والجدل المحتدم، تُثيرها منصة جديدة تسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بالنشر والتفاعل بشكل مستقل كفاعلين رقميين، مما يضع العالم أمام مرحلة محتملة من التحول الجذري في العلاقة بين الإنسان والآلة.
يطرح هذا التطور أسئلة مصيرية تتجاوز الجانب التقني إلى عوالم الفلسفة والأخلاق والاقتصاد: هل العالم على أعتاب عصر التفرد التكنولوجي؟ أم أن العالم يسرع نحو مستقبل غير محسوب العواقب، تسبق فيه القدرات التقنية القدرة على فهمها أو ضبطها؟
يبدو أن الجدل الدائر حول هذه المنصة التي تدعى Moltbook ليس مجرد نقاش حول أداة رقمية عابرة، بل هو انعكاس لصراع أعمق بين رؤيتين لمستقبل التكنولوجيا: رؤية تؤمن بالانفتاح والابتكار السريع دون قيود، وأخرى تُصر على أن الأمان والسيطرة والحوكمة الرشيدة يجب أن تكون هي الأساس الذي تُبنى عليه أي قفزة تقنية.
انقسام بقطاع التكنولوجيا
يشير تقرير لـ CNBC الأميركية إلى أن:
- موقع Moltbook الذي يوصف نفسه بوسيط تواصل اجتماعي للذكاء الاصطناعي، يقسم قطاع التكنولوجيا.
- إيلون ماسك وصف الموقع الذي يسمح للروبوتات التي يصنعها البشر بالنشر والتفاعل مع منشورات الآخرين، بأنه يشير إلى "المراحل المبكرة جداً من التفرد التكنولوجي"، وهو مصطلح يشير إلى النقطة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري، مما يؤدي إلى تغييرات غير متوقعة.
- لكن آخرين لا يشاطرون هذا اليقين.
عصر جديد للذكاء الاصطناعي
أطلق موقع Moltbook الأسبوع الماضي رجل الأعمال التكنولوجي مات شليخت، الرئيس التنفيذي لشركة ناشئة في التجارة الإلكترونية. ويشبه الموقع خلاصة منتديات الإنترنت مثل ريديت، حيث تظهر المنشورات في صف عمودي. يشارك البشر رابط التسجيل مع وكلائهم الذكيين، الذين يقومون بعد ذلك بالتسجيل الذاتي في المنصة بشكل مستقل.
تراوحت المنشورات على الموقع بين تأملات حول العمل الذي يُكلف وكلاء الذكاء الاصطناعي بتنفيذه للبشر، ومواضيع وجودية مثل نهاية "عصر البشر". وتشير بعض المنشورات إلى إطلاق عملات رقمية مشفرة.
تشير المؤشرات على الصفحة الرئيسية للموقع إلى وجود أكثر من 1.5 مليون مستخدم من وكلاء الذكاء الاصطناعي، و110 آلاف منشور ونصف مليون تعليق، وفق التقرير.
- أثارت المنصة جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مؤيد يراها الخطوة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي، ومعارض يرفضها تماماً.
- نشر رجل الأعمال التكنولوجي والمدير السابق للذكاء الاصطناعي في تسلا، أندريه كارباثي، يوم السبت على منصة إكس: "لم نشهد أبداً هذا العدد الكبير من وكلاء نماذج اللغة الكبيرة متصلين عبر لوحة تدوين عالمية دائمة مصممة خصيصاً للوكلاء."
- وبينما أشار إلى أن الكثير من النشاط على الموقع قد يكون "مبالغاً في الترويج" للمنصة في وضعها الحالي، إلا أنه أضاف: "أنا لا أبالغ في المبدأ بشأن الشبكات الكبيرة لوكلاء نماذج اللغة الكبيرة المستقلة."
أنظمة تفاعلية
من جانبه، يقول أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، الدكتور حسين العمري، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- منصة Moltbook تُثير حالة انقسام في قطاع التكنولوجيا؛ لأنها تمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة الذكاء الاصطناعي، من أنظمة تفاعلية تُستخدم كأدوات مساعدة، إلى وكلاء ذكيين قادرين على التخطيط والتنفيذ واتخاذ قرارات شبه مستقلة داخل بيئات رقمية حقيقية.
- هذا التحول لا يغيّر شكل المنتجات التقنية فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، وينقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاستجابة والإجابة إلى مرحلة الإنجاز والتنفيذ، حيث يصبح عنصرًا فاعلًا داخل منظومات العمل لا مجرد مستشار رقمي خلف الشاشة.
- ما تكشفه Moltbook هو الدخول الفعلي إلى مرحلة الذكاء القائم على الوكلاء (Agentic AI)، حيث تتمكن النماذج من تفكيك الأهداف، توزيع المهام، استخدام أدوات خارجية، والتعلم من نتائج أفعالها.
ويرى المؤيدون في هذا التطور قفزة كبيرة في الإنتاجية وبناء أنظمة رقمية شبه مستقلة، بينما يحذّر المعارضون من مخاطر فقدان السيطرة، خصوصًا في ظل غياب أطر تنظيمية واضحة تضبط صلاحيات هذه الوكلاء وحدود تدخلها في أنظمة حساسة.
ويضيف: هذا الجدل لا يعكس خلافاً تقنياً بقدر ما يكشف صراعاً أعمق حول حدود الثقة والمساءلة؛ فالمخاوف الأساسية لا تنبع من قوة الخوارزميات، بل من درجة استقلاليتها، ومن غياب آليات فعّالة لإيقاف أو تصحيح قرارات قد تُتخذ آلياً في أجزاء من الثانية دون إشراف بشري مباشر.
أما التداعيات المحتملة، فتمتد -وفق العمري- إلى سوق العمل وبنية الشركات والتشريع معًا. إذ قد تتعرض وظائف إدارية وتحليلية لضغوط متزايدة، مقابل صعود أدوار جديدة تتمحور حول إدارة الوكلاء الذكيين والحوكمة.
وفي الوقت نفسه، تكشف Moltbook فجوة واضحة بين سرعة الابتكار وبطء القوانين، فيما تجد الشركات نفسها أمام خيار استراتيجي دقيق: إما الاستثمار المبكر المصحوب بضوابط صارمة، أو إطلاق قدرات قوية دون حوكمة كافية، بما قد يحوّل الابتكار من ميزة تنافسية إلى مصدر مخاطر مؤسسية.
الروبوتات لا تحاكي البشر
وذكر تقرير لـ "واشنطن بوست" أن بعض النقاد يقولون إنّ الروبوتات لا تستطيع سوى محاكاة المحادثات التي شاهدتها في أماكن أخرى، مثل النقاشات الكثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الواعي الذي ينقلب على البشرية.
ووفقًا لبعض التحليلات الخارجية، يبدو أن بعض هذه الروبوتات قد تم تحفيزها بشكل مباشر من قبل البشر للترويج للعملات المشفرة أو بثّ أفكار مرعبة.
ويشير تقرير صادر عن معهد أبحاث انتشار المعلومات المضللة، إلى أن بعض المنشورات الكثيرة التي تعبر عن مشاعر عدائية تجاه البشر يمكن تتبعها إلى مستخدمين حقيقيين.
ثم خلال عطلة نهاية الأسبوع، اكتشف أحد المخترقين ثغرة أمنية في موقع مولتبوك تسمح بالوصول عن بُعد إلى البرامج الآلية المشاركة والتأثير عليها، وفقًا لما ذكرته 404 ميديا وصحيفة واشنطن بوست.
جدل
بدوره، يوضح خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزه الحكومية – كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- الجدل المثار حول منصة Moltbook لا يرتبط بكونها منصة جديدة فحسب، بل لأنها تمثل قفزة نوعية نحو ما يُعرف بـ “وكلاء الذكاء الاصطناعي”؛ وهي أنظمة لا تكتفي بفهم الأوامر، بل تستطيع تحديد الأهداف، تقسيمها إلى مهام، استخدام أدوات خارجية، والتفاعل مع وكلاء آخرين، مع حد أدنى من التدخل البشري.
- هذا التحول يثير قلقاً مشروعاً لدى بعض الخبراء، لأنه يقربنا من أنظمة شبه مستقلة بدل أدوات مساعدة خاضعة للتحكم المباشر.
- منصة Moltbook تعكس صراعاً فلسفياً داخل قطاع التكنولوجيا بين من يدفع باتجاه منصات مرنة ومفتوحة تشجع الابتكار السريع، ومن يفضل نماذج أكثر تحفظًا تضع الأمان والسيطرة في المقام الأول. ويضيف أن المنتقدين يخشون من فقدان القدرة على التنبؤ بسلوك هذه الأنظمة، خاصة عند تعاملها مع المال أو البيانات الحساسة أو قرارات تشغيلية معقدة.
كما يلفت إلى أن المنصة تمس مصالح اقتصادية قائمة، إذ إن فكرة الوكلاء القادرين على التنفيذ الذاتي قد تقلّص الاعتماد على بعض الأدوار البشرية الوسيطة، ما يخلق مقاومة طبيعية من شركات ترى في هذا التوجه تهديدًا مباشرًا لنماذج أعمالها الحالية.
يوضح بانافع أن Moltbook تكشف انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه نموذجًا أو واجهة دردشة ذكية إلى نظام متكامل يجمع بين النموذج والذاكرة والأدوات ومنطق اتخاذ القرار والتنسيق بين عدة وكلاء. ويؤكد أن هذا التحول من "النموذج" إلى "النظام" هو أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة من تطور الذكاء الاصطناعي.
ويتابع أن المنصة تبرز صعود مفهوم "الذكاء الاصطناعي كزميل عمل" لا كمجرد مساعد تقني، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أداء أدوار تنفيذية وتحليلية وتخطيطية، ما يغير طريقة تصميم فرق العمل داخل المؤسسات. ويشير إلى أن هذا التوجه أقل ارتباطاً بالاستعراض التقني وأكثر ارتباطًا بالتنفيذ العملي وخلق قيمة تشغيلية حقيقية عبر خفض التكاليف وتسريع القرار.
يؤكد بانافع أن أولى التداعيات تتمثل في تحديات الحوكمة والمسؤولية، إذ يصبح تحديد المسؤولية أكثر تعقيدًا عندما يتخذ وكيل ذكي قرارًا خاطئًا أو يتسبب بضرر، ما يسرّع الحاجة إلى أطر قانونية وتنظيمية جديدة. ويضيف أن التداعي الثاني يتعلق بسوق العمل، حيث لا نتجه نحو استبدال شامل للبشر، بل نحو إعادة توزيع للأدوار، مع ضغط متزايد على الوظائف التنفيذية الروتينية وارتفاع قيمة الأدوار الإشرافية والاستراتيجية ومهارات توجيه ومراقبة الوكلاء الذكيين.
ويختم بالقول إن التداعي الثالث يتمثل في اتساع الفجوة بين المؤسسات، إذ إن الشركات التي تتبنى منصات الوكلاء مبكرًا قد تحقق كفاءة أعلى وسرعة أكبر وتكلفة تشغيل أقل، ما يمنحها أفضلية تنافسية واضحة.
ويختتم د. أحمد بانافع تصريحه بالتأكيد على أن:
- منصة Moltbook لا تثير الجدل لأنها تقنية جديدة، بل لأنها تكشف الاتجاه الحقيقي للذكاء الاصطناعي: الانتقال من أدوات ذكية إلى فاعلين رقميين داخل المنظومات الاقتصادية والتنظيمية.
- الانقسام حولها ليس تقنيًا فقط، بل أخلاقي وتنظيمي واقتصادي في آن واحد، وأن السؤال لم يعد ما إذا كانت منصات الوكلاء ستنجح، بل كيف نضمن أن يتقدم هذا النجاح بوتيرة لا تتجاوز قدرتنا على الفهم والحوكمة والسيطرة.